ـ[أبو محمد التونسي]ــــــــ[17 - May-2008, صباحاً 04:00]ـ
" رتق غشاء البكارة "
في
"ميزان المقاصد الشرعية "
للدكتور / محمد نعيم ياسين
رئيس قسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية
جامعة الكويت
مدخل وتقسيم: ـ
البكارة بالفتح هي الجلدة التي على قبل المرأة، وتسمى عذرة أيضا والعذراء هي المرأة التي لم تفتض، والبكر هي التي لم يمسها رجل،ويقال للرجل بكر إذا لم يقرب النساء، ومنه حديث (البكر بالبكر جلد مائة ثم نفي سنة).
والبكارة ـ كسائر أجزاء الجسد ـ معرضة لأن تصاب بتلف كلي أو جزئي نتيجة حادث مقصود أو غير مقصود، بسبب آفة سماوية أو بسبب تصرف إنساني، وقد يكون هذا التصرف في ذاته معصية وقد لا يكون.
وقد نشأت أعراف وتقاليد اجتماعية تعطي كثيرا من الأهمية والاعتبار لوجود هذا الغشاء في الفتاة البكر، وتجعله دليلا على عفتها، وتجعل تمزقه قبل الزواج عنوانا على فسادها، ويترتب على ذلك من ردود الفعل عند الزوج وأهل الفتاة والناس ما يتراوح بين مجرد الظنون والشكوك وبين تدمير الأسرة الناشئة وإيقاع الأذى في تلك الفتاة المتهمة.
ورتق البكارة إصلاحها وإعادتها إلى وضعها السابق قبل التمزق أو إلى وضع قريب منه، وهو عمل الأطباء المتخصصين.
والبحث يدور في موضوعه حول الحكم الشرعي لهذا الفعل بالنسبة للطبيب الذي يقوم به.
والمنهج في استنباط أحكام التصرفات الإنسانية من حيث الجملة يتلخص في عرضها على النصوص أولا، فإن لم تدخل في متناولها، نظر إلى مثيلاتها مما تعرضت له النصوص وقيست عليها، وإلا فيجتهد في استنباط حكمها بعرضها على مباديء الشريعة وروحها ومقاصدها وقواعدها العامة، والنظر في المصالح والمفاسد المترتبة على التصرف، وترجيح بعضها على بعض.
ولا شكل في أن رتق البكارة مسألة مستجدة، لم يتناولها نصل من نصوص الشريعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولم يتعرض الفقهاء لبيان حكمها؛ لعدم تصور عن إمكان حدوثها في عصرهم، وليس لها مثيل في عهد التشريع حتى يمكن قياسها عليه. فلم يبق إلا النظر في روح الشرع ومقاصده وقواعده العامة، والمصالح والمفاسد التي يمكن أن تترتب على هذا التصرف.
هذا وفي سبيل الوصول إلى استنباط الحكم الشرعي لرتق البكارة نتناول هذا الموضوع في ثلاثة مباحث وخاتمة: ـ
المبحث الأول: في بيان المصالح والمفاسد التي يعتبر الرتق مظنة لها من حيث الجملة.
المبحث الثاني: في بيان تفاوت المصالح والمفاسد بالنظر إلى أسباب تمزق البكارة، والموازنة بينها.
المبحث الثالث: في بيان موقف الطبيب من الحالات التي تعرض عليه في طبيعة تلك الأحكام ورد بعض الشبهات.
المبحث الأول
المصالح والمفاسد التي يعتبر
الرتق مظنة لها من حيث الجملة
المطلب الأول
المصالح التي يعتبر الرتق مظنة لها.
إذا نظرنا إلى هذا التصرف من حيث آثاره، آخذين بعين الاعتبار ما أشرنا إليه من الأعراف الناشئة التي ترتب على اكتشاف تمزق البكارة كثيرا من المؤاخذات وردود الفعل، وجدناه مظنة لتحقيق طائفة من المصالح المعتبرة في الشرع، أهمها: ـ
أ – مصلحة الستر:
فإن هذا العمل الذي يقوم به الطبيب فيه معنى الستر على الفتاة، مهما كان سبب تمزق بكارتها؛ حيث يخفى من أمرها ما لو اكتشف لترتب عليه كثير من الأذى.
والستر لا يقتصر على مجرد الامتناع عن التبليغ، فيها ستر بالموقف السلبي، وقيام الطبيب برتق البكارة ستر بموقف إيجابي، وكلاهما ينبغي به درء الفضيحة والمؤاخذة عن المستور.
وهذا المعنى لا يتم في حق الفتاة البكر إلا بالنوع الثاني، والنوع الأول لا ينفعها في تحقيق تلك الغاية، في ظل ما ذكرنا من العادات، وإن كان ينفع غيرها كالرجل والثيب، وسيأتي زيادة إيضاح لهذا في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى. والستر مقصد شرعي عظيم قررته عدة نصوص من السنة المشرفة.منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: " لا يستر عبد عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ". وقوله " لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة "، وقوله " من ستر عورة فكأنما استحيا موؤدة في قبرها "، وقوله لهزال ـ الرجل الذي عرف أمر ماعز عندما زنى
¥