حدود المسعى.
3 – ذكر المؤرخ الأزرقي وغيره أن المسعى كان يمر من داخل المسجد، وهذا الأمر تؤيده شواهد عديدة، ماثلة موجودة إلى الآن في الأساطين التي أتى بها المهدي العباسي من خراسان وعمر بها المسجد، كتب على أربع منها مما يلي باب الصفا على يمين الخارج من المسجد إلى السعي ما يدل على أن هذا طريق الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الصفا، وصورة ما كتب على إحدى الأوليين منها وما زال الخط مقروءاً، أمر بوضع هاتين الأسطوانتين في هذا المكان أمير المؤمنين محمد المهدي علماً على طريق رسول الله إلى الصفا ليأتم به حاج البيت وعماره. أطال الله عمر المهدي أمير المؤمنين في تعظيم وتكريم موسى وهارون وكان ذلك في سنة سبعٍ وستين ومائة مما عمل أهل الكوفة، وعلى الأخريين أنهما توسعة للباب، وما زال هذا مقروءاً إلى وقتنا هذا على الأسطوانة التي تلي البيت من الأساطين الأربع، والأساطين الأخرى بقيت عليها الكتابة لكنها لم تعد مقروءة تماماً، وهذا يفيد أن باب الصفا كان باتجاه الباب الذي يمر بجوار المصاعد التي توصل إلى الدور الثاني المجاور لعربات السعي، مما يفيد أن امتداد جبل الصفا أوسع إلى الجنوب من الصخرات الموجودة في مكان السعي الآن، وهذا أحد كتفي جبل الصفا، ومثله ينبغي أن يثبت لكتف الجبل الآخر من الناحية الشمالية الشرقية.
4 – والمروة كذلك فإن ما ذكر من النقول والروايات عن خلاف أبي سفيان رضي الله عنه مع ابن فرقد السلمي في ملكهما حول المروة يدل على امتداد جبل المروة إلى ناحية الشرق أوسع مما هو عليه الآن، وقد بنى الناس على جبل المروة وعلى أكتافه من الشرق والغرب دوراً كثيرة حتى ضيقوا بها مكان السعي كما تُظهِر ذلك الصور العديدة إلى وقت الزيادة السعودية الأولى، والتي تمت فيها إزالة تلك المباني كلها وتخفيض مستوى الجبل وقطع أكتافه من أصلها وعلى الأخص ما كان منها من جهة الشرق.
5 – إن الصور الفوتوغرافية لجبل الصفا بعد إزالة ما عليه من مباني من جهة الشمال والجنوب في بداية العمارة السعودية الأولى تظهر بوضوح تام امتداد أكتاف الجبل شمالاً وجنوباً، وتظهر العقود الثلاثة التي هي محل السعي الحالي في وسط جبل الصفا مما يدل على إمكانية التوسعة من الناحية الشمالية الشرقية إلى مسافة أطول مما دخل في المسعى الجديد، وقد بُني في العمارة السعودية الأولى جدار خارجي للمسعى واقتطع جزء من الجبل لأساسات هذا الجدار، وبقي جزء منه ظاهراً للعيان متصل بمكان المسعى الحالي، كما أقيمت عمارة سميت بعمارة مشروع الحرم كانت تحوي أدواراً ثلاثة، الأسفل منها كان سوقاً تجارياً، والأوسط كانت به مكتبة الحرم والبريد، والأعلى مكاتب لشركة بن لادن، وهذا المبنى واقع على الكتف الشمالي الشرقي لجبل الصفا، وموقعه معروفٌ قبل البنيان، وصورته موجودة بعد البنيان، وهو في سفح الجبل يرقى إليه بدرجٍ جانبي ويفصل بينه وبين جدار المسعى مسافة في حدود ستة إلى ثمانية أمتار، ولا يقل طول هذا المبنى عن ثلاثين متراً، فإذا ما ضممنا هذا الطول إلى المساحة الفاصلة بينه وبين جدار المسعى مما هو واقع في سفح الجبل نفسه، وتحيط به من خلفه بقية الجبل التي تصله بالمسعى الحالي، فإنا نتبين أن طول كتف الجبل من الناحية الشمالية الشرقية في حدود أربعين متراً، وهذا ظاهرٌ بوضوح في الصور الموجودة في ملاحق هذا البحث.
6 – وقد ذكر في الأحاديث أيضاً ما يدل على اتساع عرض الصفا أكثر مما هو عليه في المسعى الحالي، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد رحمه الله في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام ناداه يوم الفتح فقال له: «يَا أَبَا هُرَيرَةَ»، قلت: لبيك يارسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: «اهتف بالأنصار، ولا يأتيني إلا أنصاري»، قال: فهتفت بهم فجاؤوا فأطافوا برسول الله، فقال لهم: «أَتَرَوْنَ إِلى أَوبَاشِ قُريش وأتباعهم، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: احصدوهم حصداً حتى توافوني بالصفا» [27].
¥