فلا بأس بذلك؛ لأن مثل هذا ليس ضلالا مطلقا، لأنه من حيث الوسيلة صواب، حيث بذل جهده في الوصول إلى الحق، لكنه باعتبار النتيجة ضلال حيث كان خلاف الحق.
وبهذا التفصيل يزول الإشكال والتهويل، والله المستعان.)).
قلتُ: لكن الذي عندي والله أعلم أن اسم المبتدع لا يمكن تخليصه من الذم .. وحال المسائل الاجتهادية يختلف عن حال المسائل التي فيها خلاف غير سائغ .. فالمسائل الاجتهادية أخف بكثير جداً .. بينما في مسائل الخلاف غير السائغ ورغم كون الواقع فيها قد يكون معذوراً إلا أن اسم المبتدع نافع في التنفير عن بدعته،ونحن لا نقصد لتنفير الناس عن الاطمئنان لقول من قال بالجهر بالتسمية بل اتباع القائل به جائز في الجملة .. فلا يتضمن الاسم حينها أي حكم بل يكون علماً مجرداً فالأصح رفع الاسم عن المجتهد في المسائل الاجتهادية.
يقول شيخ الإسلام: ((وَهَذَا كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمَعْلُومَةِ بِالِاضْطِرَارِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ يَشُكُّ فِيهَا أَوْ يَنْفِيهَا: كَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُمْ فِي شَفَاعَتِهِ وَحَوْضِهِ وَخُرُوجِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ النَّارِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ عِنْدَهُمْ: فِي الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْعُلُوِّ وَالرُّؤْيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي اتَّفَقَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ بِسُنَّتِهِ كَمَا تَوَاتَرَتْ عِنْدَهُمْ عَنْهُ؛ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ كَمَا تَوَاتَرَ عِنْدَ الْخَاصَّةِ - مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْهُ - الْحُكْمُ بِالشُّفْعَةِ وَتَحْلِيفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَرَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَاعْتِبَارُ النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي يُنَازِعُهُمْ فِيهَا بَعْضُ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ مُتَّفِقِينَ عَلَى تَبْدِيعِ مَنْ خَالَفَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ؛ بِخِلَافِ مَنْ نَازَعَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ فِي تَوَاتُرِ السُّنَنِ عَنْهُ: كَالتَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ فِي الْحُكْمِ بِشَاهِدِ وَيَمِينٍ وَفِي الْقُسَامَةِ وَالْقُرْعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ)).
فإن قال قائل: هذه لنا فهو يرفع اسم البدعة عن تلك المسائل.
قيل له: لا؛ لأن كلامه صريح في أنه يمنع إطلاق اسم المبتدع على المجتهد ولم يتطرق للمسألة وحكمها؛ ولأنه قد ثبت عن بعض السلف إطلاق اسم البدعة في مسألة الشاهد واليمين التي ذكرها هو-مثلاً- ولا يخفى عليه ذلك.
وإن قال قائل: ولم استدللت بهذا النقل على رفع اسم المبتدع عن المخالف في المسائل الاجتهادية ولم تجعل هذا النقل في رفع الحكم مع بقاء الاسم (؟؟)
قلنا: لأن رفع الحكم لا فرق فيه بين المسائل الاجتهادية وغيرها كما هو معروف من مذهب شيخ الإسلام فلم يبق إلا أنه يقصد رفع الاسم واستعماله في مخاطبة المجتهدين في محال النزاع.
والحمد لله وحده ..
قد نبهناك ونبهك الإخوان إلى عدم صحة مثل هذه التنزيلات، وأنها كما قال الإمام النووي رحمه الله: (هذه دعوى مجردة؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة).
النظر في المسائل والنصوص وكلام أهل العلم بعين البصيرة والتثبت والإستقراء مظنة السلامة بإذن الله.
تريث بارك الله فيك فليس مجال التبديع بابه مفتوح على مصراعيه الكل يلج فيه أو يولّج فيه.
بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ
ـ[السكران التميمي]ــــــــ[25 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, صباحاً 08:33]ـ
... تابع
* قال النووي في "المجموع":
"وأمَّا قولهم: "قال بعض التابعين: الجهر بالبسملة بدعة"، فلا حجة فيه؛ لأنه يخبر عن اعتقاده ومذهبه. كما قال أبو حنيفة: العقيقة بدعة وصلاة الاستسقاء بدعة؛ وهما سُنَّة عند جماهير العلماء، للأحاديث الصحيحة فيهما. ومذهب واحد من الناس لا يكون حجة على مجتهد آخر، فكيف يكون حجة على الأكثرين، مع مخالفته للأحاديث الصحيحة السابقة".
والذي استوقفني من كلامه هو قوله: "فلا حجة فيه، لأنه يخبر عن اعتقاده ومذهبه". ومفاده أنّ ثبوت لفظ التبديع عن بعض السلف لا يعني ضرورةً صحةَ ذلك الحكم، فهُمْ إنما ذهبوا إلى ما ذهبوا إليه لعدّة اعتبارات. وهذه الاعتبارات هي نفسها التي تنتاب الاجتهاد في كل عصر ومصر، وهي مرتبطة تحديدًا ببشرية المجتهد وحدودها. وبالتالي، يضاف إلى القول بجواز الحكم على عمل ما بأنه بدعة، مع قول المخالف بعكسه: ضرورة أن يصدر هذا الحكم عن مجتهد مستكمل لشرائط الاجتهاد.
ومع ذلك، فإنّ ورع العالم من شأنه أن يصدّه عن الحكم بالبدعة على قول مستند إلى دليل يرى هو مرجوحيته أو ضعفه. فالإمام مالك –مثلا- لم أره في "المدونة" يحكم بالبدعة على ما اختُلِف فيه استنادًا إلى دليل، بل على البدع المحضة التي لا أصل خاص أو عام يدل على مشروعيتها. والله أعلم.
يتبع ...
كلام جميل موزون متثبت فيه
¥