أما حديث "كل بدعة ضلالة" فهذا اللفظ لا يلزم منه أن كل البدع على درجة واحدة! كل مخالفة للحق في شيء صغر أو كبر يصح وصفها بأنها ضلالة وكل من تعمدها مع قيام الحجة عليه ببطلانها فهو داخل في الوعيد كما نص الحديث (وكل ضلالة في النار)!

لو أني قلت في مخالفي أنه على بدعة، فهو كقولي أنه على ضلالة، سواء بسواء، وقد يكون غاية ما أقصده أنه باجتهاده هذا على قول لا يوافقه الدليل عندي، فقد ضل عن الصواب في ذلك، فهل يلزم أن يكون تبديعي هذا إخراجا له من أهل السنة مثلا أو إهلاكا له؟ ليس بلازم .. وهل يلزم أن يكون وصفي إياه بالبدعة قاصرا على إذا ما رأيته يخالف إجماعا أو أصلا من أصول الدين مثلا؟ كلا لا يلزم! لا من جهة اللغة ولا من جهة الاصطلاح الشرعي على كلمة "بدعة" وما يراد بها! (هذا وأقرر لك أني لا أستعمل هذه الكلمة مع مخالفي في المسائل التي تقرر فيها الخلاف، لا لأنه ليس لي أن أصفه بها، ولكن لتغير نظر الناس لمدلولها في زماننا وحملهم إياها على الطعن في ديانة من تنسب إليه كما ذكرت أنت)

فمن ضوابط وصف الفعل التعبدي بأنه بدعة ألا يستند إلى أصل شرعي صحيح؛ بطريق خاص أو عام. فلو أن رجلين اختلفا في ثبوت الأصل الشرعي، فماذا يكون المثبت عند النافي إلا قائلا ببدعة؟ مخالفي قد أخطأ عندي في اجتهاده فأثبت فعلا لا أراه هو وسلفه ممن أثبته كذلك لنفس الدليل - خلافا لمن لم يثبت -، إلا محدثا أمرا ليس من أمر الدين .. فماذا يكون وصف هذا القول في اعتباري؟ هو تشريع لعبادة غير مشروعة، فهو بدعة!

فهل يستوي حكم هذا المجتهد بصنيعه هذا عندي في المسألة الخلافية مع من يقول - مثلا - بأن الاستواء معناه الاستيلاء؟؟ هل هذه كتلك؟؟ كلا ولا شك! مخالفي في الاجتهاد قد ضل - عندي - عن الصواب في المسألة محل الخلاف واهتديت أنا إليه .. فإن وجد له سلفا فقد وسعه ما وسعه ووسعني أنا ما وسع سلفي، ولكن لا يمنع أنه عندي على شيء غير مشروع، هو وسلفه، وإلا لو اعتقدت مشروعيته لم يجز لي أن أخالفه! أما مخالف عموم السلف والأئمة وسائر الأمة بلا سلف ولا سند فقد ضل عن سبيل المؤمنين جميعا، فليست كل الضلالات - لغة ولا شرعا - على درجة واحدة .. ولا يحتج على هذا بقوله عليه السلام "وكل ضلالة في النار" لأن الواقع في الضلالة قد يكون معذورا بل قد يكون مأجورا إن كان مجتهدا أفرغ وسعه وقال بما أداه إليه اجتهاده!

لم افهم قصدك فلم افرق بين الأمرين انما قلت ان المسائل الخلافية القوية الأدلة لا ننكر فيها على المخالف لكن البدعة المتعارف عليه في عصرنا اننا ننكرها و الله اعلمالإنكار على المخالف باب الكلام فيه يطول فأرجو ألا نتشعب إليه هنا، بارك الله فيك، منعا للخروج عن الموضوع .. وليس القيد في وصف الشيء بأنه بدعة مبنيا على معرفة هل يشرع الإنكار على فاعله أو القائل به أم لا! ولكن على معرفة هل يوافق الدليل أم لا (وهذا ما لا يسلم من وقوع الخلاف فيه بالأساس) أما الإنكار ومشروعيته فهذه نتيجة تنبني على معرفة الحكم، وليس العكس ..

ـ[الواحدي]ــــــــ[24 - صلى الله عليه وسلمpr-2009, مساء 07:17]ـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

الشكر الجزيل للفاضل أبي الفداء على "إحيائه" للموضوع، و"من أحيا أرضًا ميتة فهي له"، بيد أنها "لأحد" ...

الموضوع يحتاج إلى سعة من الوقت، لجمع المسائل المتعلقة به، والنظر في مآلات نتائجه وتطبيقاتها، وتحريرها بكلام منضبط يدرأ عنه سوء الفهم ويسد عنها باب الاعتراض.

لكن ريثما يتسنى ذلك لمن تتيسر له مؤهلات الاضطلاع به، لا بأس من مقاربة بعض المسائل المتعلقة به؛ على أن تؤخذ مأخذ الممهدات للموضوع، لا غير ... وها هي ذي على شكل "رؤوس أقلام"، كما يقال في لغة الصحافة:

* قادني نظري –المتواضع- (وأنا في عجلة من أمري) إلى أنه لا بد من التمييز بين أمرين اثنين:

_ ما حكم عليه بعض السلف بأنه بدعة، ومع ذلك خولفوا فيه أو استمر الخلاف بعدهم.

2_ ما وقع في عصر السلف، واختلفوا حوله، ولم يحكم عليه أحد منهم بالبدعية؛ لكن جاء بعدهم من أطلق هذا الحكم.

_ المسألة الأولى تحتاج ابتداءً إلى استقراء وتتبُّع للأقوال؛ ثم النظر إلى سياق تلك الإطلاقات؛ ثم تصنيفها إلى ما هو من باب البدع المحضة، وما هو من باب المختلَف فيه لغياب الدليل عن القائل، أو لتعارض ظاهر الأدلة، أو لتأويل سائغ تقتضيه النصوص وتختلف فيه الأفهام ...

_ المسألة الثانية هي محور النقاش. ورأيي أنها متوقفة إلى حد بعيد على تحرير المسألة الأولى. فإذا تبيَّن لنا أنّ الحكم ببدعية عمل ما كان صريحًا، مجرَّدًا عن ملابسات تخصِّص دلالاته؛ أي: أنه صدر عن النظر المحض إلى الأدلة، بعيدا عن ملابسات القيام بذلك الفعل، صح القول بجواز الحكم على المخالف بأنَّ قوله بدعة، وإن استند إلى دليل، طالمًا المبدِّع يعتقد قوة دليله. ومع ذلك، فإنَّ القول بجواز إطلاق التبديع على المخالف في مسألة ما لا يعني بالضرورة أنه هو الأصوب، أو الأفضل، أو الأكثر دقة من الناحية العلمية. فقد قالت أمّ المؤمنين عائشة –رضي الله عنها: "مَن زعَم أنَّ محمَّدًا (صلَّى الله عليه وسلَّم) رأى ربَّه فقد أعظم على الله الفرية". والمسألة –مع تعلقها بباب الاعتقاد- اختلف فيها الصحابة ... ومع ذلك، ليس قولها مبرِّرًا لمن يأتي بعدها ليحكم على القول أو قائليه بالافتراء على الله. والله أعلم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015