ومما يدل على عدم جواز الاكتفاء بالواحدة ما ذكره ابن العربي في أحكام القرآن وغيره وهو قوله (1/ 338): (كرر قوله (إحداهما) وكانت الحكمة فيه أنه لو قال (أن تضل إحداهما فتذكر الأخرى) لكانت شهادة واحدة وكذلك لو قال (فتذكرها الأخرى) لكان البيان من جهة واحدة لتذكرة الذاكرة الناسية فلما كرر (إحداهما) أفاد تذكرة الذاكرة للغافلة وتذكرة الغافلة للذاكرة أيضا لو انقلبت الحال فيهما بأن تذكر الغافلة وتغفل الذاكرة وذلك غاية في البيان). وهذه ملاحظة مهمة جدا.

وقد قدر بعض العلماء هنا (فهما) أي (فهما تذكر إحداهما الأخرى) وهذا متناغم مع ما ذكره ابن العربي. وها أنت ترى كيف تكون اللغة وأساليبها فاصلة في مواطن النزاع الحقيقية والوهمية!

قال الآلوسي في روح المعاني (3/ 60): (قال بعض المحققين: الأوجه من هذا كله تقدير ضمير التثنية أي (فهما تذكر إحداهما الأخرى) وعليه كلام كثير من المعربين)

قلت: الله أعلم, ولعل ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة في ذلك , أنه لا يجوز للقاضي التفرقة بين المرأتين لامتحان كل واحدة على حدة بخلاف الرجلين فإنهما يؤديان الشهادة منفصلين كي لا يأخذ أحدهما عن الآخر, إن كانا يقصدان الزور. وتذكر في هذا قصة طريفة لأم الشافعي حكاها الشافعي نفسه. فقال الحافظ في فتح الباري (5/ 266): (ومن اللطائف ما حكاه الشافعي عن أمه أنها شهدت عند قاضي مكة هي وامرأة أخرى, فأراد أن يفرق بينهما امتحانا فقالت له أم الشافعي ليس لك ذلك لأن الله تعالى يقول أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)

ومما ينبه إليه ذاك المغرور وغيره أن الله تعالى اشترط ابتداء وجود رجلين ولا بد , فغن لم يوجدا فرجل ولا بد ومعه امرأتان ,كي تكون شهادتهما مقبولة مؤثرة. فلا تجزء شهادتهن وإن كن كثرة إن لم يكن ثمت رجل معهن! وهذا فقط في بعض صور المعاملات المالية لا كلها, وليس لها في مسائل الدماء والأعراض شهادة, وتنفرد بشهادتها في ما لا يطلع عليه إلا النساء كالالحيض والرضاع وغيرها, وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم خبر وشهادة من شهدت أنها أرضعت زوجين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف وقد قيل, وإن كان في شهادة هذه العجوز شيء عند بعض العلماء لأمور أخرى ذكرت في محلها.

قال الإمام الشافعي في الأم ج (/85): (في قول الله عز وجل (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) دلالة على أن لا تجوز شهادة النساء حيث نجيزهن إلا مع رجل ولا يجوز منهن إلا امرأتان فصاعدا لأن الله عز وجل لم يسم منهن أقل من اثنتين ولم يأمر بهن الله إلا مع رجل)

وقد يظن أحد أن في نقصان عقلها نقصانا لقدرها. وهذا لا يلزم, فإن الله تعالى خلق الرجل والمرأة وميز أحدهما بأشياء لا توجد عند الآخر. فليكف شاك أو متشكك عن هذا وليسلم لمن علم وخلق وهو اللطيف الخبير. وهذا شيء يسير مما يجب ذكره انتصارا لحق الله تعالى في هذا الموطن, والحمد لله رب العالمين.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015