ـ[أبو فهر السلفي]ــــــــ[09 - صلى الله عليه وسلمpr-2008, مساء 05:01]ـ
عرضت على أخي وشيخي العلامة أبي محمد الحسن بن علي الكتاني فك الله أسره هذه النازلة، فأجاب حفظه الله بقوله:
الحمد لله و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله.
مسألة اعتبار خلاف أهل البدع في الإجماع
الذي أراه و أعتقد به هو قبول خلاف كل من تضلع في الفقه و اتبع قواعد أصول الفقه المقررة دون نظر لاعتقاده، فكل من احتج لمذهبه بطريقة صحيحة ففقهه مقبول سواء أكان من أتباع المذاهب الأربعة أو الظاهرية أو الزيدية أو الإباضية أو الجعفرية أو غيرهم ممن لا يلزم مذهبا معينا.
و ذلك لأمور:
أولا: لأنه الذي كان عليه الصدر الأول من السلف الصالح قبل أن يحدث التعصب المذهبي في بدايات القرن الثالث ثم الرابع. فإنك إذا نظرت لمذاهب الناس في عقائدهم وجدت التشيع و الإرجاء غالبا على أهل الكوفة والقدر والنصب على أهل البصرة و الشام و التجهم على أهل خراسان. و مع هذا فالسلف يذكرون مذاهب الفقهاء في مؤلفاتهم المسندة و يتعاملون معها بالقواعد العلمية دونما نظر لعقيدتهم.
فهذا أبو حنيفة و أصحابه غالبهم مرجئة متشيعة، و فيهم عدد كبير من المعتزلة، بل جل أئمة الاعتزال أحناف.
وهذا الحسن بن صالح بن حي كان زيديا، وجابر بن زيد و عكرمة متهمان بمذهب الإباضية.
ثانيا: لأن مسألة البدعة غير منضبطة، فلو قلنا إننا لن نعتبر إلا من كان سلفيا أثريا على محض السنة البيضاء، فإننا سنهجر فقه أمة من المسلمين، فإن من كان هذا حاله تناقص بعد القرون المفضلة حتى أصبح معدودا على الأصابع.
فإن عامة الحنفية ماتريدية، و فيهم عدد كبير من أئمتهم معتزلة و كرامية. و الجهمية الذين عذبوا أئمة السنة زمن المامون فمن بعده كلهم كانوا أحنافا، و ذلك في المشرق و المغرب، و هو من أعظم ما ولد النفرة بينهم و بين أهل الحديث.
ومع هذا ففيهم عدد كبير من الفقهاء و الأصوليين كأبي بكر الجصاص و أبي الحسن الكرخي و أبي الحسين البصري و كتبهم معتمدة و فقههم مدون مستفاد منه، و هذا الزمخشري المفسر المشهور لا يخفى حاله على أحد و اهتمام الناس بكتبه.
والمالكية غالبهم أشاعرة و كذلك الشافعية، و معلوم أن مذهب الماتريدية و الأشعرية ليس هو السنة البيضاء و محض اعتقاد السلف.
و الحنابلة طوائف، منهم محدثون سلفيون و منهم غلاة في الإثبات و طوائف مالوا لمذاهب المتكلمين كالقاضي أبي يعلى في "المعتمد" و ابن عقيل و ابن الجوزي و آل رزق الله.
والظاهرية طوائف فيهم مثل ابن حزم و كلامه معروف وافق السلف تارة و وافق الجهمية أخرى و استفرد بآراء، و فيهم مثل أبي بكر بن أبي عاصم السلفي صاحب "السنة".
وفي جميع هؤلاء جماعات من الصوفية بطرائقهم المتعددة.
فكثير من السلفيين المحدثين صوفية مشاهير كأبي إسماعيل الأنصاري و أبي بكر ابن أبي داود و أبي الوقت السجري و غيرهم كآل قدامة المقدسيين.
وكثير من المعتزلة و الأشاعرة و الماتريدية منحرفون عن الصوفية منكرون عليهم. فمن أرضاك في باب أسخطك في آخر. و من أجل هذا قلنا إن الحق المحض انقسم في طوائف المسلمين بعد القرون الثلاثة.
ثالثا: فإذا تأملت ما سبق ظهر لك أن إهمال مذاهب الزيدية و الجعفرية و الإباضية لا مسوغ له إلا التعصب المذهبي.
فإن قلت: إن مذاهبهم غير منضبطة و فيها شذوذ كبير.
قلنا: ذاك واقع في الإمامية الجعفرية دون غيرهم، و مع هذا فهو في مسائل غير مجمع عليها عندهم.
وأنت ترى شيخ الإسلام ابن تيمية احتج بمذهبهم في متعة الحج و طلاق الثلاث في كلمة واحدة، مع أنه في باب الاعتقاد شنع عليهم و شدد في العبارة.
وأيضا فما من مذهب من مذاهب المسلمين إلا و فيه شذوذ مرغوب عنه كالنبيذ عند أهل الكوفة و السماع و إتيان محاش النساء عند أهل المدينة و الصرف و متعة النكاح عند أهل مكة، و نكاح ابنة الزنا من أبيها عند الشافعية، و غير ذلك.
فإن قيل لا يمكن أن نثق في نسبة الأقوال لأئمة كل مذهب. فقد كذب الإمامية على جعفر الصادق كثيرا و كذا الزيدية على زيد بن علي عليهما السلام. و ادعى الإباضية الانتساب لجابر بن زيد أبي الشعثاء البصري رحمه الله.
قلنا: و كذلك في الأحناف عدد غير قليل من الضعفاء و المتروكين بل و الوضاعين، حتى إنهم من لدن إمامهم أبي حنيفة رحمه الله فمن بعده مذكورون في كتب الجرح و التعديل.
¥