وقوله ? لأصحابه عام الحديبية:" أشيروا أيها الناس علي، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت .. "؛ إنما يُريد سبي عيالهم وذراريهم، وليس قتلهم كما فهم البعض!

ومنها: أن الأطفال لا تُقتل لأنها أنفس مُصانة شرعاً، وأنها على الفطرة والملة .. وليس لكونهم مجرد مال ـ كأي مالٍ ـ وبالتالي يُمكن الاستغناء عن هذا المال أو التضحية به أو هدره لمصلحة ترجح عنه كما زعم الشيخ .. فالنبي ? علل السبب الذي يمنع من قتل أطفال المشركين أنهم لا يزالون على طهر ونقاء وصفاء الفطرة والملة والتوحيد .. ولم يلوثوا بذنب بعد .. لذلك قال ? لأصحابه:" ألا إنَّ خيارَكم أبناء المشركين .. "، فهذا هو السبب الذي منع من قتل أطفال المشركين، وليس لكونهم مجرد مال كأي سلعة من السلع!

ومنها: أن الآية الكريمة التي استدل بها الشيخ، وهي قوله تعالى:? فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ?، ليس فيها دليل على ما ذهب إليه؛ فهي آية عامة لكن لا يجوز العمل بها على إطلاقها من دون النظر إلى ما استثناه الشارع وخصه بالحرمة لذاته ومنع المقابلة فيه؛ كمقابلة الغدر بغدر، والخيانة بخيانة، والكذب بكذب، والفجور بفجور .. فالمعصية لا تُقابل بمعصية .. فقد صح عن النبي ? أنه قال:" أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". وقتل الأنفس المعصومة البريئة أشد ذنباً وجرماً من مجرد الخيانة؛ فإذا كان لا يجوز أن تُقابل الخيانة بخيانة فمن باب أولى أن لا تُقابل قتل الأنفس المعصومة بقتل الأنفس المعصومة .. فيقع الظلم حينئذٍ مرتين؛ وفي كلا المرتين تكون الضحايا من الأنفس المعصومة البريئة!

ونحو ذلك من سرقك فلا يجوز لك أن تسرقه، ومن شتم أبويك لا يجوز لك أن تشتم أبويه .. ومن اعتدى على عرضك بالقذف والشتم لا يجوز لك أن تعتدي على عرضه بالقذف والشتم .. ولو فعلت تكون قد تعديت وظلمت، وعاقبت من لا ذنب له بجريرة غيره .. ونحو ذلك من قتل طفلك لا تقتل طفله ـ ولا يجوز لك أن تقتل طفله ـ وإنما تقتل القاتل .. فإن قتلت طفله قتلت نفساً معصومة بوزر غيرها، وهذا ليس من المماثلة والمقابلة في شيء، وإنما هو من التعدي والظلم!

ولو قلت: أقتله وطفله معاً .. فهذا كذلك من التعدي والظلم .. وفيه تجاوز لحد المماثلة والمقابلة .. وتكون بذلك قد عاقبت بأكثر مما عُوقبت به!

لا يوجد أحد من أهل العلم يُجيز قتل أطفال القاتل كرد على عدوانه وقتله لأطفال الآخرين من قبيل المقابلة والمماثلة في العدوان .. وإنما الذي أجمعوا عليه قتل القاتل وحسب.

وعليه نقول: الآية عامة تجيز رد العدوان بعدوان مماثل أياً كان هذا العدوان ونوعه .. إلا ما استثناه الشارع ومنع من المقابلة والمماثلة فيه، كالنصوص ـ التي تُخصص ذلك العام ـ فتُحرم قتل الأطفال والنساء وغيرها من الأعمال المحرمة لذاتها .. والتي تحرم معاقبة المرء بجريرة غيره .. فهذه الأعمال مُستثناة من ذلك العام .. والنصوص الواردة فيها تخصص ذلك العام .. وتقيد ذلك الإطلاق .. فتنبه لذلك!

ومنها: أن هذا القول الذي صدر عن الشيخ رغم شذوذه، وضعفه .. كما تقدم .. فليس من الحكمة ولا السياسة الشرعية العمل بمقتضاه في هذا العصر، ولا الترويج له، وذلك لسببين:

أولهما: أن هذا الباب لو فُتح ووجدت له التبريرات والمسوغات الشرعية .. فإن العدو ـ بحكم آلته العسكرية الضخمة التي يفتقدها المسلمون ـ هو الأقدر على العدوان .. وإنزال الضرر بالمسلمين، وأطفالهم ونسائهم!

ثانياً: أن العدو يملك الآلة الإعلامية الضخمة التي يفتقدها المسلمون .. والتي يقدر من خلالها أن يُحوِّر ويُبدل حسنات المسلمين ـ أمام الرأي العام ـ إلى سيئات .. فما بالك لو عمل المسلمون بمقتضى كلام الشيخ .. كيف ستكون سمعتهم وصورتهم أمام الرأي العام .. وكيف سينظر الناس إليهم وإلى دينهم .. وماذا سيكون موقفهم .. وهذا بُعدٌ معتبر في ديننا لا يمكن للعاملين من أجل هذا الدين أن يتجاهلوه .. فالنبي ? أمسك عن قتل رأس النفاق ابن أُبي حتى لا يُقال أن محمداً يقتلُ أصحابه!

ومنها: أرجو أن يكون كلام الشيخ المذكور أعلاه عبارة عن زلة لسان .. يقع فيها عادة المتحدث .. وبخاصة أن هذا الكلام لم أجده مخطوطاً للشيخ في كتبه ومؤلفاته على كثرتها؛ إذ لو كان هذا هو مذهب الشيخ في المسألة لوجِدَت مخطوطة في كتبه، والله تعالى أعلم.

بهذا أرد على كلام الشيخ أعلاه حول مسألة قصد قتل أطفال ونساء المشركين من قبيل المقابلة والمعاملة بالمثل .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

18/ 6/1426 هـ. عبد المنعم مصطفى حليمة

24/ 7/2005م. أبو بصير الطرطوسي

www.abubaseer.bizland.com

ـ[نضال مشهود]ــــــــ[29 - Mar-2008, صباحاً 06:55]ـ

جزاك الله خيراً أخي الكريم (أبو مالك العوضي)

قصدت بالمنهي عنه لذاته ما ورد النهي بشأنه مستقلاً، ومعلومة الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن قتل النساء أو الأطفال، فهل استهداف العدو لأطفالنا يبيح لنا استهداف نساءهم وأطفالهم من باب الرد بالمثل

الشيخ رحمه الله لا يريد ذلك ولا يمكن أن يريد ذلك.

بل الشيخ بين مراده، أن ما سميته (منهيا لذاته) هو "المنهي عنه بالنوع" بحيث لا يجوز فعله بحال لكونه من حقوق الله تعالى، لا من حقنا.

فالقاتل يقتص منه، لأنه من حق الآدميين.

وأما الزنا والافتراء والافتتان وأشباهها، فليس يجوز فيها الانتقام بمثله، لأنها منهي عنها بالكلية.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015