وفي الحديث عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ?، ثم إن رسول الله ? قال لأبي:" ابنُك هذا؟ " قال: أي ورب الكعبة. قال:" حقَّاً؟ " قال: أشهد به، قال: فتبسَّم رسول الله ? ضاحكاً من ثبت شبهي في أبي، ومن حلف أبي عليَّ، ثم قال:" أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه "، وقرأ رسول الله ?:? وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ? [].
وفي رواية عنه:" أما أنَّك لا تجني عليه، ولا يجني عليك " [].
وقال ? في حجَّة الوداع:" ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه، ولا يجني والدٌ على ولده، ولا مولودٌ على والده " [].
وقال ?:" لا يؤخذُ الرجلُ بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه " []. وفي رواية:" لا يؤخذُ الرجلُ بجناية أبيه، ولا بجناية أخيه ".
والأطفال ـ وبخاصة منهم الرّضّع! ـ من أبناء المشركين المحاربين، ليس لهم أدنى إرادة ولا دراية فيما جناه آباؤهم، وبالتالي لا يجوز أن يؤخذوا بجريرة وأوزار آبائهم.
ومنها: أن النصوص الشرعية قد منعت وشددت في المنع من قصد أطفال ونساء المشركين بنوع قتل أو قتال مهما كانت الدوافع والمبررات، كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وغيره عن ابن عمر ? أن امرأة وُجدت في بعض مغازي النبي ? مقتولة، فأنكر رسول الله ? قتل النساء والصبيان.
وعن حنظلة الكاتب، قال: غزونا مع رسول الله ?، فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناسُ، فأفرجوا له، فقال:" ما كانت هذه تُقاتِلُ فيمن يُقاتِلُ "، ثم قال لرجل:" انطلق إلى خالدِ بن الوليد، فقل له: إن رسولَ الله ? يأمرُك، يقول: لا تقتلَ ذُرِّيَّةً ولا عَسِيفاً " [].
قلت: قوله ? " يأمرُك "؛ يُفيد التوكيد والوجوب في النهي عن قتل الذراري .. وقوله ?:" ما كانت هذه تُقاتِلُ فيمن يُقاتِلُ "، مفهوم المخالفة يقضي أنها لو قاتلت وكانت فيمن يُقاتل جاز قتالها وقتلها.
وعن الأسود بن سريع، قال: أتيتُ رسولَ الله ? وغزوت معه فأصبت ظهرَ أفضل الناس يومئذٍ، حتى قتلوا الولدان ـ وقال مرة: الذرية ـ فبلغ ذلك رسول الله ? فقال:" ما بالُ قوم جاوزهم القتلُ اليوم حتى قتلوا الذريَّة؟! " فقال رجلٌ: يا رسولَ الله: إنما هم أولادُ المشركين! فقال: ألا إنَّ خيارَكم أبناء المشركين، ثم قال: ألا لا تقتلوا ذريةً، ألا لا تقتلوا ذريةً حتى يهبُّ عنها لسانها فأبواها يهودانها وينصرانها " [].
وكان رسول الله ? إذا أمَّر رجلاً على سريةٍ، أوصاه في خاصَّة نفسه بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، فقال:" اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفَرَ بالله، اغزوا ولا تغدروا،
ولا تَغُلُّوا، ولا تَمثُلُوا، ولا تقتلوا وليداً ... " مسلم.
وفي رواية عند البيهقي وغيره:" ولا تقتلوا وليداً طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً ... ".
وفي شرح معاني الآثار للطحاوي بسند صحيح، أن رسول الله ? كان إذا بعث جيوشه قال:" لا تقتلوا الولدان " وفي رواية:" لا تقتلوا شيخاً كبيراً " وفي رواية " لا تقتلوا وليداً ولا امرأة ".
وعن ابن عمر قال: كتب عمر إلى الأجناد:" لا تقتلوا امرأة ولا صبياً ".
ومن وصايا أبو بكر ? لأمراء الجند:" لا تقتلوا امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هَرِماً، ولا تقطعوا شجَراً مُثمراً، ولا تُخرِّبُنَّ عامراً، ولا تعقرنَّ شاة ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تغرقُنَّ نخلاً ولا تحرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن " [].
وعن يزيد بن هُرْمُز، أن نجدَةَ كتب إلى ابن عباس يسأله عن قتل أطفال المشركين .. فكتب إليه ابن عباس: إنك كتبتَ إليَّ تسأل عن قتل أطفال المشركين، فإن رسول الله ? لم يقتلهم، وأنت فلا تقتلهم، إلا أن تعلم منهم ما علم الخَضِرُ من الغلام حين قتله! [].
والأحاديث والآثار التي تمنع من قصد قتل أطفال ونساء المشركين أكثر من أن تُحصر في هذا الموضع .. وفيما تقدم ذكره كفاية وزيادة لمن نشد الحق.
ومنها: رغم عدد الحروب والغزوات التي خاضها النبي ? وخاضها أصحابه رضوان الله تعالى عنهم، والتابعون لهم بإحسانٍ في القرون الثلاثة الأولى المشهود لها بالخيرية والفضل .. ورغم ما تعرض له المسلمون من اعتداءات في تلك القرون الأولى المباركة .. لم يُعرف عن النبي ? ولا عن أصحابه، ولا التابعين لهم بإحسانٍ .. أنهم قصدوا قتل ذراري وأطفال المشركين أو قتل نسائهم!
¥