أخرج ابن أبي شيبة في باب الإسراف في النفقة من المصنف: عن إبراهيم في قوله تعالى " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوامًا " قال لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس أسرف فيها.
يقول الحافظ ابن كثير: أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا.
- وقال اللهُ تعالى:" وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ " (سورة الأنعام 141 - سورة الأعراف 31)
يقول ابن حزم في المحلى: مَسْأَلَةٌ: وَالسَّرَفُ حَرَامٌ, وَهُوَ النَّفَقَةُ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ, وَلَوْ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ قَدْرِ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ أَوْ التَّبْذِيرُ فِيمَا لاَ يَحْتَاجُ إلَيْهِ ضَرُورَةً مِمَّا لاَ يَبْقَى لِلْمُنْفِقِ بَعْدَهُ غِنًى أَوْ إضَاعَةُ الْمَالِ وَإِنْ قَلَّ بِرَمْيِهِ عَبَثًا; فَمَا عَدَا هَذِهِ الْوُجُوهِ فَلَيْسَ سَرَفًا وَهُوَ حَلاَلٌ وَإِنْ كَثُرَتْ النَّفَقَةُ فِيهِ.
- ويقول الحَقُ سبحانه وتعالى: " وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا " (سورة النساء 5).
إن السَّفَهَ مَظَنَّةُ التبذير ولذلك منع اللهُ تعالى القائمين على أموال السفهاء - وهم الصغار والنساء - إعطاء الأموال لهم حتى يأنسوا منهم الرشد وحسن التصرف في أموالهم ’ ومن عُلِمَ منه تبذيرًا و لو لم يكن من الصغار أو النساء حُجِرَ عليه , كما هو مذهب الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة.
ما جاء من الأحاديث والآثار في النهي عن التبذير:
- عن المغيرة بن شعبة قال: قال النبي صلى الله عليه و سلم (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات. وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قوله (وإضاعة المال) تقدم في الاستقراض أن الأكثر حملوه على الإسراف في الإنفاق وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام والأقوى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا سواء كانت دينيةً أو دنيويةً فمنع منه لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد وفي تبذيرها تفويت تلك المصالح إما في حق مضيعها وإما في حق غيره ويستثنى من ذلك كثرة انفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة ما لم يفوت حقا أخرويًا أهم منه.
- وقال النبي صلى الله عليه و سلم: (كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة).
وقول ابن عباس رضي الله عنهما: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف أو مخيلة»
رواهما البخاريُّ تعليقًا ووصلهما ابن حجر.
- وروى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم) صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة.
- وفي جامع معمر:عن علي، قال: «ما أنفقت على نفسك، أو على أهل بيتك في غير سرف، ولا تبذير فلك، وما تصدقت رياءً وسمعةً، فذلك حظ الشيطان»
هذا والله تعالى أعلى وأعلم بالصواب والحق.