ـ[ياسر مختار]ــــــــ[13 - Mar-2008, مساء 12:46]ـ
التبذير وضوابطه الشرعية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أما بعد:
التبذير لغةً: يقول الصاحب بن عباد في كتابه (المحيط في اللغة):
والتَّبْذِيْرُ والتَّبْذِرَةُ: إفْسَادُ المالِ وإنْفَاقُه في السَّرَفِ, ورَجُلٌ بَذِرٌ: مُبَذِّرٌ، وبَيْذَارَةٌ وتِبْذَارَةٌ.
التبذير شرعًا:التبذير هو إتلاف المال في الحرام أو ما يفضي إلى الحرام.
قال ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: التبذير هو الإنفاق في غير حق.
وقال مُجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مُدًَّاً في غير حق كان مبذرًا.
وقال قتادة: التبذير النفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحق والفساد.
قال الشافعي رضى الله عنه: والتبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير, وهذا قول الجمهور.
وقال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه، وهو الاسراف، وهو حرام لقوله تعالى: " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " وقوله:
" إخوان " يعنى أنهم في حكمهم، إذ المُبَذِرُ ساعٍ في إفساد كالشياطين، أو أنهم يفعلون ما تُسَوِّلُ لهم أنفسهم، أو أنهم يقرنون بهم غدًا في النار، ثلاثة أقوال.
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فِي التَّبْذِيرِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ.
قَالَ الزَّجَّاجُ: فِي غَيْرِ طَاعَةٍ، وَالثَّانِي: الْإِسْرَافُ الْمُتْلِفُ لِلْمَالِ {إنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}.
وفَرَّقَ بعضهم بين الإسراف والتبذير فقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: التبذير الجهل بِموضِِع الحقوق، والإسراف الْجهل بِمقاديرِها.
النهي عن التبذير في كتاب الله عز وجل:لقد أمرنا الله تعالى بالاعتدال في النفقة فقال سبحانه " وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ "
وروى عبدُ بنُ حُمَيد في تفسيره عن الحسن: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} قال: ذلك ألا تجهد مالك ثم تقعد تسأل الناس.
- قال اللهُ عز وجل " وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا " (سورة الإسراء الآية27)
روى ابن جرير بسنده عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى " ولا تُبَذر تبذيرًا " قال: إنفاق المال في غير حقه.
وروى مَعْمَرٌ عن علي رضي الله عنه قال: «ما أنفقت على نفسك، أو على أهل بيتك في غير سرف، ولا تبذير فلك، وما تصدقت رياءً وسمعةً، فذلك حظ الشيطان»
وأما إنفاق المال في حقه فلا يطلق عليه اسم التبذير , والشرع يحث عليه كثيرًا ومن ذلك مثلاً ما ثبت في صحيح الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال (قال اللهُ أنفق يا ابن أدم أنفق عليك) , يقول مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مُدَّاً في غير حق كان مبذرًا.
ويقول الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره لقوله تعالى " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين ": فإنه يعني: إنّ المفرّقين أموالهم في معاصي الله المنفقيها في غير طاعته أولياء الشياطين، وكذلك تقول العرب لكلّ ملازم سنة قوم وتابع أثرهم: هو أخوهم.
- وقال اللهُ تعالى: " وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا " (سورة الإسراء 29).
يقول الحافظ ابن كثير: وقوله: {وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا.
ويقول الإمام الألوسي في هذه الآية: تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر زجراً لهما عنهما وحملا على ما بينهما من الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط وذلك هو الجود الممدوح فخير الأمور أوساطها.
- ويقول اللهُ تعالى: " وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا " (سورة الفرقان67)
¥