حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: (إن صام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل.

فبيّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم، من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشرعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً" اهـ

قال العلَّامة ابن القيِّم –رحمه الله- في معرضِ ذكره لمَراتبِ الجِهاد (زاد المعاد في هدي خير العباد: 11/ 3): " وأما جهادُ أرباب الظلم، والبِدعِ، والمنكرات، فثلاث مراتبَ: الأولى: باليدِ إذا قَدَرَ، فإن عَجَزَ، انتقل إلى اللِّسان، فإن عَجَزَ، جاهد بقلبه." اهـ

وقال أيضا –رحمه الله- (المدارج 3/ 394): كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عمله خير من علمه فسيرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد أهل البدع لا يشق له فيها غبار وله المقامات المشهورة في نصرة الله ورسوله"اهـ

وقال -رحمه الله- أيضا (شرح القصيدة النونية للشيخ محمد خليل هراس:8/ 1) في سياق كلامه على بعض المتكلمين المعطلين لصفات الله:

"فما أعظم المصيبة بهذا وأمثاله على الإيمان! وما أشد الجناية به على السنة والقرآن! وما أحب جهاده بالقلب واليد واللسان إلى الرحمن! وما أثقل أجر ذلك الجهاد في الميزان! والجهاد بالحجة واللسان مقدم على الجهاد بالسيف والسنان، ولهذا أمر به تعالى في السور المكية حيث لا جهاد باليد؟ إنذارا وتعذيرا، فقال تعالى: {فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا}

فالجهاد بالعلم والحجة جهاد أنبيائه ورسله وخاصته من عباده المخصوصين بالهداية والتوفيق والإنفاق، ومن مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو؟ مات على شعبة من النفاق، وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لامته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب، واشتد القتال، وتنادت الأقران: النزال! النزال! وهو في الملجأ والمغارات والمدخل، مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج، قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة، ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه أني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين " اهـ

.

قال الإمام الشاطبي –رحمه الله- (الاعتصام: 11 - 12/ 1) " لا بد أن تثبت جماعة اهل السنة حتى يأتى أمر الله غير أنهم لكثرة ما تناوشهم الفرق الضالة وتناضبهم العداوة والبغضاء استدعاء إلى موافقتهم لا يزالون في جهاد ونزاع ومدافعة وقراع آناء الليل والنهار وبذلك يضاعف الله لهم الأجر الجزيل ويثيبهم الثواب العظيم " اهـ

وقال العلامة صالح الفوزان –حفظه الله- (مقال بعنوان: " القول بعدم تخطئة المخالف"

نشر في جريدة الجزيرة العدد 11672 الأحد 27 رجب1425 الموافق لـ:

12 سبتمبر 2004):

" وقد ردّ الله - سبحانه وتعالى - على أهل الضلال في مواضع كثيرة من كتابه الكريم، وشرع لنا الردّ عليهم؛ إحقاقاً للحق، وإزهاقاً للباطل. ولولا ذلك لشاع الضّلال في الأرض، وخفي الحق، وصار المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، بل شرع الله لنا ما هو أعظم من ذلك، وهو جهاد أهل الباطل بالسيف والسنان، وبالحجة والبيان؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ}." اهـ

وسئل العلامة عبد العزيز الراجحي –حفظه الله- (شرح الإبانة لابن بطة) سؤالا نصه:

"أحسن الله إليكم، يقول: قول من يقول: بأن الذي يرد على دعاة البدع، ويذب عن السنة، يعتبر مجاهدا في سبيل الله، هل هذا صحيح؟

نعم، نوع من الجهاد في سبيل الله، الجهاد أنواع، أعلاه جهاد الكفار بالسلاح، وجهادهم بالمال، من الجهاد، جهاد أهل البدع، وجهاد الفساق بالإنكار عليهم، وجهاد النفس، فالجهاد أنواع، جهاد النفس، تجاهد نفسك؛ حتى تعبد الله مخلصا له الدين؛ وحتى تؤدي فرائض الله؛ وحتى تنتهي عن محارم الله؛ وحتى تقف عند حدود الله؛ وحتى تستقيم على دينك، هذا جهاد النفس أولا.

من لم يجاهد نفسه، لا يستطيع أن يجاهد غيره، جاهد نفسك أولا، ثم جهاد الكفار جهاد الفساق وأهل البدع، بالرد عليهم، وبيان شبههم والتحذير منهم، ثم جهاد الكفار والجهاد أنواع، جهاد النفس، جهاد الشيطان، جهاد الفساق وأهل البدع، ثم جهاد الكفار بالمال والنفس. " اهـ

يتبين لك أخي الكريم ممّا سبق وجوب جِهاد أهل البِدع لأنَّهم أشد خطرا علينا من اليهود والنَّصارى، فلا تلتفت إلى المثبطة والمميّعة الَّذين أعيتهم كتب السنَّة أن يقرأوها وسيرةُ السّلف أن يدرُسوها ومناهجهًم في معاملة أَهل البدع أن يسلُكوها فدعوا إلى وحدة العقائد وأفسدوا على المسلمين دينهم وأدخلوا عليهم المحدثات والعوائد.

فإلى الله المشتكى

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

والله الموفق

وكتبه: جمال بن عبد العزيز الربيعي

(أبو عاصم السّلفي)

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015