و منه كذلك، ما وقع لسالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ قال جرير بن يزيد: كنت جالسًا إلى سالم بن عبد الله على باب داره، فمر به شاب من قريش يسحب إزاره، فصاح به سالم وقال: ارفع إزارك؟ وجعل الشاب يعتذر من استرخاء إزاره، ثم أقبل عليّ سالم فقال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:" بينما رجل يمشي في حلة له معجب به نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة". رواه أحمد (9053) و أبو عوانة (8559) و النسائي (9679).
و كذلك كان فهم السلف؛ إنما ينكرون على من ظنوا به العجب و المخيلة بسبب مظهره، ولم يكن إنكارهم على إطلاقه كما يفهم البعض. اهـ
قد ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فعل ذلك للسبب ذاته.
فقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (24816) بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه " أنه كان يسبل إزاره فقيل له في ذلك فقال: إني رجل حمش الساقين ". لكن قال الحافظ في الفتح (10/ 264): (هو محمول على أنه أسبله زيادة على المستحب، وهو أن يكون إلى نصف الساق، ولا يظن به أنه جاوز به الكعبين! والتعليل يرشد إليه، ومع ذلك فلعله لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة.) اهـ
قلت حمله على المستحب دعوى تحتاج دليلا اولا و ثانيا لو كان كذلك لما انكره عليه الناس و ثالثا الاسبال هنا لفظ عام لا يجوز اخراجه عن ظاهره الا بقرينة فمن اين للحافظ انه محمول على الزيادة فوق المستحب فهل الزيادة فوق المستحب تسمى اسبالا!!!!
قال عبد الوهاب مهية الإسبال عند الإطلاق يراد به الإرخاء إلى ما دون الكعبين، و الأصل إبقاء الخبر على ظاهره، هذا من جهة. و من جهة أخرى، فإنه حتى لو لم تبلغه قصة عمرو بن زرارة، فهل يعقل أن يأمر النبي صلى الله عليه و سلم واحدًا من عامة الناس و لا يأمر صاحب وسادته و نعله، و من هو معه صباح مساء، يلازمه و يخدمه حتى أن الغريب ليحسب أنه من أهل البيت؟ اهـ.
روى أبو داود (4096) و ابن أبي شيبة (24831) و البيهقي في الشعب (6147) عن عكرمة قال: رأيت ابن عباس إذا اتزر أرخى مقدم إزاره حتى يقع حاشيته على ظهر قدميه، ويرفع الإزار مما وراءه، فقلت:لم تأتزر هكذا؟ قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزر هذه الإزرة " وصححه الألباني رحمه الله في الصحيحة (1238).
عن أبي إسحاق قال: رأيت ابن عباس أيام منى طويل الشعر، عليه إزار فيه بعض الإسبال، وعليه رداء أصفر. قال الهيثمي (9/ 285):رواه الطبراني وإسناده حسن. قلت: رواه الطبراني في الكبير (10572) و أبو بكر الشيباني في الأحاد و المثاني (390).
و أخرج ابن أبي شيبة وعنه أبو نعيم في الحلية: (5/ 322) وابن سعد في الطبقات: (5/ 403) عن عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عمرو بن مهاجر قال: " كان قميص عمر بن عبد العزيز ما بين الكعب والشراك "
و أخرج ابن أبي شيبة في (المصَنَّفِ) (رقم 24845) قال: حدثنا ابن مهدي، عن أبي عوانة، عن مغيرة قال: " كان إبراهيم قميصُه على ظهر القدم ". إسناده صحيحٌ، و ابراهيم هو ابن يزيد النخعي إمام الكوفة.
و أخرج الإمام أحمد في (العلل) – رواية ابنه عبد الله – (رقم 841) قال:حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا حماد بن زيد، قال: " أمرَنِي أيّوب (السختياني) أن أقطعَ له قميصاً قال: اجعلْه يضرِبُ ظَهْرَ القدم، و اجعَلْ فَمَ كُمِّهِ شبراً ". وإِسنادٌه صحيحٌ
و قبل الختام ...
تذكَّرْ أنَّ الأحاديث الواردة في الإسبال على ثلاثة أقسام؛
قسم مطلق، مثل قوله " ما أسفل الكعبين في النار "، و قوله في حديث المغيرة رضي الله عنه: " رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم أخذ بحجزة سفيان بن أبى سهل فقال: يا سفيان لا تسبل إزارك فان الله لا يحب المسبلين" رواه أحمد و النسائي في الكبرى (9704) و ابن ماجة (3574) و ابن حبان فى صحيحه و هو حديث حسن و له شواهد.
الألف و اللام في (المسبلين) للعهد الذهني، و يعني بهم المختالين. و يؤيده رواية ابن حبان الماضية أول البحث بلفظ:" يا سفيان لا تسبل إزارك، فإن الله لا ينظر إلى المسبلين " و قد مرّ آنفًا بيان مَنْ لا ينظر الله إليهم.
و منه حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بينما رجل يصلي مسبل إزاره، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اذهب فتوضأ ". فذهب فتوضأ ثم جاء فقال: " اذهب فتوضأ "، فقال له رجل: يا رسول الله، مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه؟ قال:" إنه كان يصلي وهو مسبل إزاره، وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل".
رواه أحمد (4/ 67) و أبو داود (6380 و 4086)
أعله المنذري فقال: فيه أبو جعفر رجل من المدينة لا يعرف. و قال الحافظ في (التقريب 1/ 628):" أبو جعفر المؤذن الأنصاري المدني مقبول من الثالثة ومن زعم أنه محمد بن علي ابن الحسين فقد وهم ".
و قوله " مقبول " يعني عند المتابعة، و لا متابع له في قوله " وإن الله لا يقبل صلاة رجل مسبل ". بل الحديث كله على مداره. فالعجب كيف يحكم على صلاة امرئ مسلم و وضوءه بالبطلان بمثل هذه الرواية؟؟؟
و قد روى ابن خزيمة في صحيحه (781) عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا ينظر الله إلى صلاة رجل يجر إزاره بطرًا ". قال ابن خزيمة: قد اختلفوا في هذا الإسناد قال بعضهم عن عبد الله بن عمر. اهـ
و يستفاد من هذا الحديث تقييد الجر بالبطر و هو الكبر و الخيلاء. ومنه حديث ابن مسعود رضي الله عنه: " من أسبل إزاره في صلاته خيلاء فليس من الله في حلّ و لا حرام " رواه أبو داود (637)
و قسم مقيِّد بالجر و الخيلاء، و قد ذكرنا طرفًا منه. و بيّنّا بالدليل اتحاد محل العقوبة و مورد الحكم و مقتضى ذلك شرعًا.
من اراد الاجابة فلينقد الادلة دليلا دليلا و ارجوا من الاخوة ان لا يجيبوا اجابات ناقصة او خارجة عن ادب النقاش و ارجوا ان لا تستدلوا بكلام مجمل لا اعتراض فيه او فتاوي فلان و علان.
فهل من القائلين بالتحريم من ينشط لذلك و الله المستعان و السلام عليكم
¥