لما روى أبو هريرة أن النبي (ص) قال: (إذا وَلَغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً) متفق عليه، ولمسلم: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) (5).
ـ وألحقوا بالكلب الخنزير , قالوا: لأنه شر من الكلب وأخبث، وقد نص القرآن على رجسيته.
والصحيح: أنه لا يلحق بالكلب؛ إذ لو كان الحكم يشمله لبينه الشارع ونص عليه؛ لوجوده زمن التشريع.
النجاسة على الأرض: يكفي أن يُصَب عليها الماء صبة واحدة تُذهِب عين النجاسة وأثرها؛ لقول النبي (ص) في بول الأعرابي: (صُبُّوا على بوله ذَنوباً من ماء) متفق عليه.
سائر النجاسات على غير الأرض: ذكر المصنف أنها تُغسل ثلاثاً مُنقِية، وهذا من اختياراته في المذهب؛ لحديث أبي هريرة1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - أن النبي (ص) قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يَغمِس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) مسلم. فإذا وجب تثليث غسل اليد بوهم النجاسة، فإنه لا بد من التثليث لإزالة حقيقة النجاسة. والمشهور عند الحنابلة: أنه لا بد من سبع غسلات إلحاقاً بنجاسة الكلب، مع استدلالهم بأثر ضعيف لا أصل له: أن ابن عم1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - ر قال: أُمِرنا بغسل الأنجاس سبعاً.
(قلت): والأظهر والله أعلم: أنه لا يشترط لذلك عدد، وهي رواية في المذهب، بل يجزئ مكاثرتها بالماء بحيث تزول عين النجاسة؛ لقوله (ص): (إذا أصاب إحداكن دم الحيضة فلتقرصه، ثم لتنضحه بماء، ثم لتصلِّ فيه) البخاري. وأما القول بالتثليث؛ فإن الحديث الذي استدلوا به جاء في صحيح البخاري بدون ذكر التثليث، ثم إن هذا الغَسل ليس بواجب على الصحيح خلافاً لمشهور الحنابلة؛ لأن الأمر به في الحديث معلَّل بوهم النجاسة، ولا يجب غسل ما كان متوهم التنجس، ولأنه داخلٌ في باب الآداب.
بول الغلام (دون الجارية) الذي لم يأكل الطعام: يكفي فيه النَّضْح (6)؛ لحديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله (ص) فأجلسه في حجره فبال في ثوبه , فدعا بماء فنضخه ولم يغسله. متفق عليه.
نجاسة المَذْْي (7): يكفي فيها النضْح، ويعفى عن يسيره؛ لمشقة التحرز منه -على ما اختاره المصنف وهو اختيار ابن تيمية أيضاً، ومعتمدُ المذهب: وجوب غسله، وعدم العفو عن شيء منه، كالبول. فعن علي 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - قال: كنتُ رجلاً مذّاءً فاستحييتُ أن أسأل رسول الله (ص)، فأمرتُ المقداد فسأله، فقال: (يغسِل ذَكَره ويتوضأ) متفق عليه.
ويعفى عن يسير الدم , فإن الدم نجس عند جماهير الأمة، بل حُكِي الإجماع عليه (8).
ويسير الدم: هو مالا يفحُش في النفس، وفي رواية: ما لا يفحش عند أوساط الناس؛ فلا عبرة بالمتبذلين كالقُصَّاب ولا المتقززين كالموسوسين ومَن تنفر نفوسهم من قطرة دم.
قال المصنف: (ومنيُّ الآدمي وبولُ ما يؤكَل لحمه طاهر)
فالمني من الآدمي طاهر، ولو قلنا بنجاسته لاستلزم ذلك نجاسة الآدمي، ومما يعضد القول بطهارته ما رواه مسلم وغيره أن عائشة رضي الله عنها قالت: كنتُ أفرك المني من ثوب رسول الله (ص) فيصلي فيه. (قلت): ولو كان نَجِسًا لَمَا أَجْزَأَ فَرْكُه.
و بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ومن الأدلة على ذلك:
• تجويز الصلاة في مرابض الغنم ولا يَسلَمُ المصلي فيها غالباً من مباشرة أبوالها وأرواثها.
• أمر النبي (ص) العُرَنِيِّين بالشرب من أبوال إبل الصدقة وألبانها، ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منها، ولم يبين لهم أدنى بيان يقضي بنجاستها، فتبقَى على الأصل.
• طواف النبي (ص) حول الكعبة راكباً على البعير, وذلك مظنة أن يلوِّث المسجد حال الطواف, وكان الأعرابي يُدخِل بعيره المسجد ولا يُنهَى، فدل على طهارة ذلك.
-----
(1) ونقصد بقولنا (حكمًا): أنه حصل له تغير، لكنه لم يسلبه طهوريته. مثل: الماء الذي تغير بمخالِطٍ طاهر يشق صون الماء عنه كطحلب.
(2) ويسمى هذا المفهوم: مفهوم المخالفة، وهو حُجَّة إلا إذا كان السياق يأباه، وقد احتج به الجمهور إلا في أحوال معدودة فلتُراجَع.
(3) وفرّق الحنابلة -في رواية بالمذهب- بين بول الآدمي وعذرته المائعة وبين سائر النجاسات؛ معتبرين ما وقعت فيه عذرة الآدمي أو بوله من المياه نجساً سواء كان قليلاً أو كثيراً إلا إذا كان يشق نزحه فلا ينجس إلا بالتغير. مستدلين بحديث أبي هريرة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - أن النبي (ص) قال: (لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) متفق عليه، وهو خاص في البول، ومثله العذرة، لكنه يشمل القليل والكثير .. وحملوا خبر القُلَّتين على بقية النجاسات. ولكنَّ المعتمَد في المذهب ما أثبتناه أعلاه. انظر الإنصاف (1/ 60)، وكشاف القناع (1/ 40).
(4) وهو الأظهر؛ لأن ما غلب على اسمه مخالِطٌ، وهو النوع الأول، قد انتقل عن مسمى الماء إلى غيره فلا يكون حينئذ من أقسام المياه، وأما حديث أبي هريرة فالنهي فيه لئلا يقذِّرَ الماءَ الدائم، والأصل بقاء ما كان على ما كان.
(5) الولوغ: أن يشرب بطرف لسانه، وقيل: بل أن يُدخِل لسانه في الماء شرب أم لم يشرب.
(6) والنضح: غمر المحل بالماء وإن لم يَسِل منه شيء.
(7) المذي بالتخفيف والتشديد: هو سائل أبيض رقيق يخرج من القُبُل عند اشتداد الشهوة بفِكر أو نظر أو ضم أو تقبيل أو مداعبة، ويخرج بلا دفق، ولا يعقبه فتور، وقد لا يحس بخروجه، أما المني فهو الماء الدافق الخارج من القُبُل، والذي تشتد الشهوة عند خروجه، ويفتر البدن بعده. وهو أبيض غليظ من الرجُل وله رائحة كطلع النخل أو العجين، وأصفر رقيق من المرأة ورائحته كبيض منتن.
(8) والإجماع دليل قائم بذاته، ولا يُعرَف خلاف صريح ثابت عن قائله في ذلك إلا بعد المائة الثانية عشرة، واستدل بعض المتأخرين على طهارته بما لا دليل فيه لمكان الضرورة، وغير ذلك
¥