قلت: فالمحدّثون اشتغلوا برواية السنة ونقد الأسانيد ومعرفة الرجال فحفظوا بذلك هذا الأصل العظيم مما داخله من دسائس الوضاعين وغفلات الصالحين، وتخصصهم بهذا الشأن وتفرغهم له شغلهم عن الاستنباط والفقه ولذلك تجد مشاهير المحدثين كابن معين وابن أبي حاتم والبخاري ومسلم وغيرهم مقلين في مجال الفقه ..
والفقهاء اشتغلوا بدراسة النصوص وفحص معانيها واستخراج عللها ومراميها، والجمع بينها أو الترجيح، ومعرفة ناسخها ومنسوخها ووضعوا الأصول والقواعد التي بها تُفهم النصوص وتُستخرج الأحكام ويعرف الحلال والحرام، وانتصبوا للفتوى فأكثروا منها، وتعرضوا للقياس والتفريع فتوسعوا فيهما، فصارت لهم بذلك مذاهب متكاملة، ومناهج متمايزة، واشتهرت منها المذاهب الأربعة التي تعتبر كل واحدة منها مدرسة مكتملة المنهج بأصولها وقواعدها وفروعها ..
وتخصص الفقهاء بهذا الشأن وتفرغهم له شغلهم عن الرواية والإسناد فكانوا في الغالب مقلين فيها، وقلما تجد إماماً جمع بيت التوسع والتبحر في مجالي الرواية والفقه كما يقال في الإمام أحمد رحمه الله.
أما أبو حنيفة فقد كان مقلاً في الراوية، إلا أن ذلك لا يعني عدم حفظه للحديث إذ ما جاء بالفقه إلا من النظر في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وإنما شُغل بالاستنباط عن رواية ما بلغه من الحديث، ومن تتبع عناية هذا الإمام بالأدلة عرف ذلك ..
هذا إذا عرفنا أنه كان بالكوفة والبصرة زمن أبي حنيفة أكثر من مائة وعشرين صحابياً، وإذا عرفنا انه أخذ وسمع من أكثر من أربعة وسبعين من المحدثين والفقهاء عدّ منهم الحافظ المزي عدداً ومن أشهرهم: طاوس بن كيسان، والشعبي، وعبد الله بن دينار، وعبد الرحمن بن هرمز، وعطاء، وقتادة بن دعامة السدوسي، والزهري، وهشام بن عروة وغيرهم، وإذا عرفنا أيضاً أنه كان من تلاميذه كبار المحدثين والحفاظ كعبد الله بن المبارك، وأبي يوسف، وزفر بن الهذيل وغيرهم: تيقنا أن مذهبه كان نابعاً من الأثر، ومستقياً من السنة بواسطة هذه الروافد ..
روى ابن أبي رزمة أنه كان إذا قدم الكوفة أحد من المحدثين يقول أبو حنيفة لأصحابه: "انظروا هل عنده من الحديث شيء ليس عندنا؟ " (2).
فمن يتصور مع هذا أن أبا حنيفة فقيه لا يحفظ الحديث (3) وكيف يصير الرجل إماماً في الفقه وهو ليس بحافظ للحديث .. لذلك ترى المحدثين مثل أبي داود وابن حجر لما ترجما لأبي حنيفة ـ وفيه دارت الأقاويل ـ اكتفيا بالإشارة إلى إمامته فقال أبو داود: "أبو حنيفة إمام"، وقال ابن حجر: "أبو حنيفة الإمام المشهور".
يتبع إن شاء الله.
ـــــــــــــ
1 - إعلام الموقعين 1ـ9.
2 - تبييض الصحيفة في مناقب أبي حنيفة للسيوطي.
3 - وقد عده بعض المحدثين كالذهبي من كبار الحفاظ كما أن بعض المحدثين طعن في حفظه.
ـ[خالد العامري]ــــــــ[11 - عز وجلec-2007, مساء 01:34]ـ
المسألة الخامسة:
على كل متعلم أن يعلم أن رواية الحديث يجب أن ينضم إليها الفقه ومعرفة اختلاف الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين وإلا ما استطاع أن يدرك شيئاً من الأحكام، لأن المعنى الظاهر وحده ليس هو الفقه، بل الفقه في الاستنباط ومعرفة المقاصد والعلل، والناسخ والمنسوخ بجميع أنواعهما، ولذلك كما سبق في المسألة الرابعة كان كثير من كبار المحدثين وعظماء الحفاظ غير مشهورين بالفقه مع شهرتهم في علم الحديث وروايته، وشأن العلماء المنصفين الاعتراف لأهل كل اختصاص باختصاصهم فهذا الشافعي رحمه الله يبين هذه الاختصاصات فيقول (1): "من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه، ومن أراد أن يتبحر في الشعر فهو عيال على زهير بن أبي سلمى، ومن أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أرد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي، ومن أراد أن يتبحر في التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان". اهـ.
وقال ابن الماجشون: "كانوا يقولون لا يكون إماماً في الفقه من لم يكن إماماً في القرآن والآثار ولا يكون إماماً في الآثار من لم يكن إماماً في الفقه. فانظر كيف توهم قوم بعد ذلك أن الاشتغال بالرواية يكفي لمعرفة الأحكام وكيف فصلوا بين الفقه والأثر".
يجب على المتعلم مع الاشتغال بالحديث والرواية أن يعرف مذاهب الفقهاء واختلافهم حتى يكسب ملكة الاستنباط ..
قال صلى الله عليه وسلم: "رب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه". فبين بذلك أن الحديث فقه وأن مجرد حمله لا يعني كون حامله فقيهاً ..
والناس يتفاوتون في الفقه نتيجة لاختلافهم في الأفهام، والفقه هو الفهم فبعض الأئمة في الجملة أفقه من بعض وبعضهم في مسألة أفقه من بعض ومن أفقه الأئمة أبو حنيفة إن لم يكن أفقههم، روي عن ابن المبارك قوله: "إن كان الأثر قد عرف واحتيج إلى الرأي فرأي مالك وسفيان الثوري وأبي حنيفة. وأبو حنيفة أحسنهم وأدقهم فطنة وأغوصهم على الفقه وهو أفقه الثلاثة (2) ".
وإليك مثالاً يبين لك كيفية تفاوت الفقهاء في فهم المسألة الواحدة:
روي عن إسماعيل بن حماد قال: شككت في طلاق امرأتي فسألت شريكاً فقال: "طلقها وأشهد على رجعتها"، ثم سألت سفيان الثوري فقال: "اذهب فراجعها فإن كنت قد طلقتها فقد راجعتها"، ثم سألت زفر بن الهذيل فقال لي: "هي امرأتك حتى تتيقن طلاقها"، فأتيت أبا حنيفة فقال: "أما سفيان فأفتاك بالورع وأما زفر فأفتاك بعين الفقه وأما شريك فهو كرجل قلت له: لا أدري أصاب ثوبي بول أم لا؟ فقال لك: بُلْ على ثوبك ثم اغسله".اهـ
فينبغي على كل متعلم أن يعتني بمعرفة الوجوه المختلفة والاستدلالات ويطلع على اختلاف المذاهب ولا يكتفي بوجه واحد أو يعتمد على عالم واحد فإن مثل من يعتمد على عالم واحد مثل الذي له امرأة واحدة إن حاضت بقي (3) وهذا هو المقصود من قول الأئمة بأن من لم يعرف الخلاف لم يشم رائحة الفقه.
ـــــــــــــ
1 - الانتقاء لابن عبد البر: 31.
2 - تاريخ بغداد 3 ـ 343.
3 - جامع بيان العلم 1 ـ 130.