قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأََمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}.

ففي هذه الآية إشارة إلى أن التنازع بين المؤمنين المتصفين بالطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر لا مفر من وقوعه ولا ضرر إذا اتفق المتنازعون على الحَكَم الذي يحتكمون إليه ولا يخرجون عن سلطانه ..

ومثل الآية في مدلولها قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (1).

إذ ليس معنى وجود مجتهدين ووجود مصيب ومخطئ إلا إقرار وقوع الاختلاف في فهم مسائل الشرع.

هذا مع أن المتتبع لما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من الآثار الصحيحة يجد أن ذلك وقع بين يديه صلى الله عليه وسلم وأقره فالصحابة اختلفوا في فهم أوامره وأقواله أفهاماً متغايرة فلم يعنف عليهم ولم يوبخهم بل كان يسكت أحياناً ويعينهم على فهم المراد أحياناً وأوضح دليل على ذلك حديث الصلاة في بني قريظة (2) وحديث عدي بن حاتم فقد فَهِم من قوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأََبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} ظاهر اللفظ فاتخذ خيطين في وسادته أبيض وأسود فلم يزد صلى الله عليه وسلم على أن قال له: " (3) إن وسادتك إذاً لعريض إنما هو سواد الليل وبياض النهار".

وإنما ورد عنه صلى الله عليه وسلم التعنيف على من تعرض للاجتهاد بغير علم وأفتى بغير بصيرة ولم يتثبت كما قال صلى الله عليه وسلم في الذين أفتوا المشجوج في رأسه بوجوب الغسل فمات فقال صلى الله عليه وسلم لما بلغه ذلك: "قتلوه قتلهم الله هلا سألوا إذا لم يعلموا إنما شفاء العيّ السؤال" (4).

وكل ما ورد من النصوص في ذم الاختلاف فالمراد به الذي يخرج عن حدود الشرع وآدابه، ولا يكون المقصود به الحق بل الهوى والعصبية، وكذلك كل خلاف يتمرد على الحَكَم الذي أوجب الشرع الرجوع إليه، أو المراد به الاختلاف في أصل العقيدة، وما أخبر به صلى الله عليه وسلم من وقوع الاختلاف في أمته فهو التفرق والانقسام، ولذلك حذَّر منه، وكذلك الفرق الثلاثة والسبعون التي ذكر أنها كلها في النار إلا واحدة، فإن المراد بها الاختلاف في العقائد وفيما أجمع عليه المسلمون ولذلك عبر بقوله (ستفترق) ولم يقل (ستختلف) لأن مطلق الاختلاف وقع حتى بين أصحابه، ولعل بعض الجهال طبق هذا الحديث على مذاهب أئمة الإسلام وعلى رأسهم الأئمة الأربعة مع أن أحداً ممن له أدنى فهم يعلم أن اختلاف هؤلاء كاختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه تفرق بل فيه سعة ورخصة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ..

وأما ما وقع من تفرق المقلدين في العصور المتأخرة التي هي عصور الانحطاط فإنه لا يعيب أصل ما ذهب إليه أولئك الأئمة المرضيون من الاختلاف إنما يقع العيب فيه على هؤلاء الأتباع الجهلة المتعصبين ..

فإن اختلاف الصحابة والتابعين والأئمة المرضيين ومنهم الأئمة الأربعة واقع كله ضمن حمى الشرع وداخل أسواره، وإنما خرج عن ذلك الحد إلى خارج أسوار الإسلام أمثال الخوارج والروافض والجهمية وأشباههم ممن تكلموا بالشبه في ـ قطعيات ـ الدين.

ــــــــــــــ

1 - متفق عليه.

2 - متفق عليه.

3 - رواه البخاري.

4 - ابن ماجه وأبو داود وأحمد والدارمي والدار قطني.

ـ[خالد العامري]ــــــــ[10 - عز وجلec-2007, مساء 09:25]ـ

المسألة الثالثة:

علماء الإسلام المرضيون عليهم رحمة الله ورضوانه من الصحابة والتابعين وتابعيهم في كل عصر لا يختلفون إلا بدليل أو تأويل، ولا يتصور أن أحداً منهم يخالف النص معتمداً أو بغير دليل.

وأخص بالذكر الأئمة الأربعة: أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد لشهرتهم في هذا المجال وانتشار مذاهبهم في الدنيا.

فكل من له علم وتتبع أقوالهم وفتاويهم وتأمل استدلالهم وأصولهم العلمية يجد مصداق ذلك.

وما طعن في واحد منهم طاعن إلا عن عصبية أو جهل بقدرهم، إذ قد يتبادر إلى ذهن القاصر عندما يرى كثرة اختلافهم ويعظم عليه ذلك ولا يتحمله ذكاؤه، إذ ينظر إلى ظاهر هذا الاختلاف دون أن يكلف نفسه الغوص بنظره وفكره في الوجوه التي بنوا عليها أقوالهم فيتبادر إلى ذهنه أنهم يصادمون النص.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015