إنه مثل الصلاة فيما يجب لها ويحرم فيها فمن أوجب له الطهارة الصغرى فلا بد له من دليل شرعي وما أعلم ما يوجب ذلك. ثم تدبرت وتبين لي أن طهارة الحدث لا تشترط في الطواف ولا تجب فيه بلا ريب ولكن تستحب فيه الطهارة الصغرى فإن الأدلة الشرعية إنما تدل على عدم وجوبها فيه وليس في الشريعة ما يدل على وجوب الطهارة الصغرى فيه وحينئذ فلا نسلم أن جنس الطواف أفضل من جنس قراءة القرآن بل جنس القراءة أفضل منه فإنها أفضل ما في الصلاة من الأقوال، والسجود أفضل ما فيها من الأفعال والطواف ليس فيه ذكر مفروض. وإذا قيل: الطواف قد فرض بعضه قيل له قد فرضت القراءة في كل صلاة فلا تصح صلاة إلا بقراءة فكيف يقاس الطواف بالصلاة. وإذا كانت القراءة أفضل. وهي تجوز للحائض مع حاجتها إليها في أظهر قولي العلماء فالطواف أولى أن يجوز مع الحاجة. وإذا قيل: أنتم تسلمون أن الطواف في الأصل محظور على الحائض وإنما يباح للضرورة. قيل: من علل بالمسجد فلا يسلم أن نفس فعله محظور لنفسه ومن سلم ذلك يقول: وكذلك من القرآن ما هو محظور على الحائض وهو القراءة في الصلاة وكذلك في غير الصلاة لغير حاجة يحرمها أكثر العلماء وإنما أبيحت للحاجة فإذا أبيحت للحاجة فالطواف أولى. ثم مس المصحف يشترط له الطهارة الكبرى والصغرى عند جماهير العلماء وكما دل عليه الكتاب والسنة وهو ثابت عن سلمان وسعد وغيرهم من الصحابة، وحرمة المصحف أعظم من حرمة المساجد ومع هذا إذا اضطر الجنب والمحدث والحائض إلى مسه مسه فإذا اضطر إلى الطواف الذي لم يقم دليل شرعي على وجوب الطهارة فيه مطلقا كان أولى بالجواز. فإذا قيل: الطواف منه ما هو واجب. قيل: ومس المصحف قد يجب في بعض الأحوال إذا احتيج إليه لصيانته الواجبة والقراءة الواجبة أو الحمل الواجب إذا لم يمكن أداء الواجب إلا بمسه. وقوله صلى الله عليه وسلم {الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت} من جنس قوله: {لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ} وقوله: {لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار} {وقوله صلى الله عليه وسلم لا أحل المسجد لجنب ولا حائض}. بل اشتراط الوضوء في الصلاة وخمار المرأة في الصلاة ومنع الصلاة بدون ذلك أعظم من منع الطواف مع الحيض وإذا كان قد حرم المسجد على الجنب والحائض {ورخص للحائض أن تناوله الخمرة من المسجد وقال لها: إن حيضتك ليست في يدك} تبين أن الحيضة في الفرج والفرج لا ينال المسجد وهذه العلة تقتضي إباحته للحائض مطلقا لكن إذا كان قد {قال: لا أحل المسجد لجنب ولا حائض} فلا بد من الجمع بين ذلك والإيمان بكل ما جاء من عند الله وإذا لم يكن أحدهما ناسخا للآخر فهذا عام مجمل وهذا خاص فيه إباحة المرور وهو مستثنى من ذلك التحريم مع أنه لا ضرورة إليه فإباحة الطواف للضرورة لا تنافي تحريمه بذلك النص كإباحة الصلاة للمرأة بلا خمار للضرورة وإباحة الصلاة بلا وضوء للضرورة بالتيمم؛ بل وبلا وضوء ولا تيمم للضرورة كما فعل الصحابة لما فقدوا الماء قبل نزول الآية وكإباحة الصلاة بلا قراءة للضرورة مع قوله: {لا صلاة إلا بأم القرآن}. وكإباحة الصلاة والطواف مع النجاسة للضرورة مع قوله: " حتيه ثم اقرصيه ثم صلي فيه " وإباحة الصلاة على المكان النجس للضرورة مع قوله: {جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا} بل تحريم الدم ولحم الخنزير أعظم الأمور وقد أبيح للضرورة. والذي جاءت به السنة أن الطواف عبادة متوسطة بين الصلاة وبين سائر المناسك فهو أفضل من غيره لنهي الحائض عنه فالصلاة أكمل منه وذلك لأنه يشبه الصلاة أكثر من غيره ولأنه مختص بالمسجد فلهاتين الحرمتين منعت منه الحائض ولم تأت سنة تمنع المحدث منه وما لم يحرم على المحدث فلا يحرم على الحائض مع الضرورة بطريق الأولى والأحرى كقراءة القرآن وكالاعتكاف في المسجد ولو حرم عليها مع الحدث فلا يلزم تحريم ذلك مع الضرورة كمس المصحف وغيره. ومن جعل حكم الطواف مثل حكم الصلاة فيما يجب ويحرم فقد خالف النص والإجماع. وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع وإنما الحجة النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية. ومن تربى
¥