إن القياس بالنتائج فحسب ليس من شأن المؤمنين الذين يعلمون أن النتائج بيد الله تعالى وما على العبد إلا أن يجتهد ويتحرى ومن ذلك الاستفادة والاعتبار من التجارب السابقة والمشاورة بين أهل الخبرة في ذلك ثم يعزم ويتوكل على الله تعالى كما قال سبحانه (وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (فإذا أخذ المؤمن بذلك فإنه قد اجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وأما أن يقال بعد ذلك إن عملك حين لم يؤد النتيجة المطلوبة أو ترتب عليه مفسدة معينة فهو خطأ في أصله وتعجل فإن هذا خلل في التقييم والميزان، والله تعالى يقول: (وإذا قلتم فاعدلوا)، ويقول: (وزنوا بالقسطاس المستقيم) ويقول (ولا تبخسوا الناس أشياءهم).
والله تعالى قال لنبيه الذي يتنزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم: (إن عليك إلا البلاغ)، وقال: (إن أنت إلا نذير)، وقال: (وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب).
قال الطبري رحمه الله [13/ 172]: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ وإما نرينك يا محمد في حياتك بعض الذي نعد هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك فإنما عليك أن تنتهي إلى طاعة ربك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته) اهـ
وقال سبحانه: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)، والآيات في أن العبد ليس عليه إلا ما أمر به وليس عليه النتيجة كثيرة.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ورأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد).
فهل يا ترى مثل هؤلاء الأنبياء عليهم السلام يمكن أن يخطر على بال مسلم أنهم قصروا في الأخذ بالأسباب في دعوتهم؟! حاشاهم وربي من ذلك.
وإذا هزم المسلم وانكسر وابتلي بقتل أو كلم أو أسر فهذا هو شأن الجهاد ولا ينبغي أن يعد ذلك من خطأ الأصل ما دام مبنيا على أسس صحيحة.
والله تعالى يقول: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهدآء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)، فذلك كله من حِكم الجهاد ومن مراد الله تعالى فيه فما لنا نختزل كل ذلك في النصر الأرضي العاجل؟!
وهذه الآيات من سورة آل عمران لنا معها وقفات إن شاء الله لعظم ما فيها من المعاني التي قد نغفل عنها.
وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من غازية تغزوا في سبيل الله فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية تهزم وتصاب إلا تم أجورهم).
ولعل البعض حين سمع ببعض الأخبار من قتل بعض المجاهدين أو أسرهم أو حتى تعرض بعض العوائل للأذى والقصف والتشريد أصابه من الأسف والحزن ما قد أنساه بعض تلك المعاني المشار إليها وربما أوقعه ذلك في الوقيعة فيمن لا سبيل له عليه.
نعم إن القلب ليتقطع أسى وألما حين يبلغ المسلم خبر إصابة لأخيه أو أخته وإن دقت، لكن لا ينبغي بحال أن ننسى ما في هذه الآيات والأحاديث من البيان الجلي للمعاني العالية التي علينا أن نتعلق بها وأن ما يصيب هؤلاء هو بإذن الله من الاصطفاء واتخاذ الشهداء أو الابتلاء الذي تمحص به الذنوب وترفع به الدرجات ويعتز به الإسلام.
وقد كان النساء يجاهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع احتمال أسرهن وقتلهن، وفي صحيح مسلم عن عمران بن حصين رضي الله عنه قصة أسر امرأة من المسلمين.
ونبشر المسلمين أن نساء المجاهدين هن بأنفسهن مجاهدات محتسبات قد تربين على احتمال كل احتمال بعد الاستعانة بالله تعالى، ونسأل الله أن يحفظهن وأن يربط على قلوبهن وأن ينزل عليهن السكينة وأن يزيدهن قوة وثباتا واحتسابا وأجرا كريما.
وهكذا كل من ينفر للجهاد عليه أن يربي نفسه ويوطنها على احتمال المتغيرات وأن يجعل في حسابه جميع التوقعات وأن يكون لديه من مدد الإيمان والتوكل وشيء من العلم ما يثبته في الملمات.
ـ[إمام الأندلس]ــــــــ[03 - Jul-2008, مساء 04:13]ـ
بوركت أخي مستور الحال ...
ـ[ابو القعقاع]ــــــــ[03 - Jul-2008, مساء 06:20]ـ
من يريد للأمة أن تقاتل تحت رايات عمية /قول عجيب
¥