ألا ترى أنّ عمرَ و عليَّ رضي الله عنهما قد بالغا في التشديد في هاتين المسألتين، استحساناً، رغم وجود ما يراه الميسِّرون المعاصرون مقتضياً للتيسير، و مستلزماً للتخفيف مراعاةً ظروف المجتمع، و رفعاً للحَرَج عن الناس.
ثالثاً: أنّ من السلف من كان يفتي بالفتوى، أو يقضي بالقضاء، ثمّ يرجع عنه إذا بلغه ما هو أقوى منه دليلاً و أقوَم سبيلاً، إذ إنّ العبرة عنهم بما جاء من عند الله، و ثبت عن رسول الله، و ليس بالتيسير أو التشديد.
أخرج مسلم في كتاب الحج من صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أنه كان يفتي بالمتعة فقال له رجُل: رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس: من كنا قد أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك له، فقال: أن تأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى قال: ? وَ أَتِمُّوُا الحَجَّ و العُمْرَةَ لله ? [البقرة: 196]، و أن تأخذ بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحل حتى نحر الهدي).
و الأمثلة غير هذا في رجوعهم إلى الحقّ كثيرة، فهل في دعاة اليوم من يلزم غرزَ السابقين، و ينحو نحوَهُم، فيقف عند الدليل، و يرجع إليه إن بلغه، و لو بعد حين، و لا يجد غضاضةً في أن يقول: (تلك على ما قضينا، و هذه على ما نقضي)؟
رابعاً: كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يدورون مع الدليل حيثُ دارَ، فمنهم الميسِّر و منهم المشدد، و لكن عن علم و بصيرة و دليل.
و كلُّهُم مِنْ رسولِ اللهِ مُقْتَبِسٌ ... غرفاً مِنَ البَحرِ أو رَشْفاً مِنَ الدِيَمِ
و إن كان فيهم من يلتزم في عمله الأحوط في مقابل من يجنح إلى الأيسر، و لكنّ الحامل لكلٍّ منهما على مذهبه لا يخرج عن الاستدلال بما ثبت عنده عن نبيِّ الهُدى صلى الله عليه وسلم.
و يحسن التمثيل لاختلاف آراء الصحابة في هذا الأمر بما كان عليه الصاحبان الإمامان: عبد الله بن عبّاس، و عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، فقد كان (أحدهما يميل إلى التشديد و الآخر إلى الترخيص و ذلك في غير مسألة، و عبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي من ذلك، و كان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد، و كان يمنع من دخول الحمام، و كان إذا دخله اغتسل منه، و ابن عباس كان يدخل الحمام، و كان ابن عمر يتيمم بضربتين ضربةٍ للوجه، و ضربةٍ لليدين إلى المرفقين، و لا يقتصر على ضربة واحدة، و لا على الكفين، و كان ابن عباس يخالفه، و يقول: التيمم ضربةٌ للوجه، و الكفين، و كان ابن عمر يتوضأ من قُبلةِ امرأتِه، و يُفتي بذلك، و كان إذا قبل أولاده تمضمض ثم صلى، و كان ابن عباس يقول: ما أبالي قبَّلتُها أو شممت ريحاناً، و كان يأمر من ذكر أن عليه صلاة و هو في أخرى أن يُتِمَّها، ثم يصلي الصلاة التي ذكرها، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها ... و المقصود أن عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد و الاحتياط) [زاد المعاد: 2/ 47 و 48].
قلتُ: و مع كلِّ ما كان يذهب إليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من التشديد و لزوم الأحوَط، لم يغمز قناته أحدٌ من السلف أو الخلف، و لم يصمه أحدٌ بوصمة التعسير، على وجه التخطئة و التنفير، بل غاية ما ذَهَبَ إليه مخالفوه هو عدَم موافقته في تشديداته، مع اعتبارها أمارةً على وَرَعه و حُسن اتّباعه، و عُذر مَن ذهبَ مذهبَه من الأتباع ما داموا يدورون مع الدليل مدارَه.
و لم يكن يسعهم حتى تمني خلافه فضلاً عن تبريره أو تسويغ القول و العمل به.
قال أبو عبد الله الزركشي [في المنثور: 1/ 20، 21] و هو يُعدِّدُ أنواع التمني و يعرض حكم الشرع في كلٍّ منها: السابع: تمني خلاف الأحكام الشرعية لمجرد التشهي ... قال الإمام الشافعي في (الأم) و قد روى عن عمر: (لا يُسترق عربي) قال الشافعي رحمه الله: لولا أنَّا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا، و كأنه أراد تغير الأحكام و لم يرد أن التمني كله حرام).
¥