للحاجة، فالله تعالى أعلم، وعلى كل حال فزكاة الفطر تختلف عن زكاة الأموال من حيث متعلق الوجوب، فالقياس إذاً ضعيف من هذا الوجه.

ووجه آخر من الضعف في هذا القياس: أن زكاة العروض تجب الزكاة في قيمتها، بخلاف زكاة الفطر، فهي زكاة للأبدان كما تقدم فاختلفا [الحاوي؛ للماوردي (3/ 393)].

ب ـ ما روي عن بعض السلف كالحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، وقول أبي إسحاق السبيعي: "أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام"، مقابَلٌ بقول من منعه، ذكر هذه الآثار ابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 398).

وهذه الآثار الدالة على جواز دفع القيمة في الفطر محمولة على الحاجة، بحيث يتعسر دفع الطعام، أو حمله، أو قبوله، وبهذا يتفق المنقول عن السلف بعضه مع بعض، وبه تجتمع مع الأدلة، والله تعالى أعلم.

ج ـ النظر إلى مقصد الزكاة، وهو دفع حاجة الفقير، وهذا يحصل بإعطائه النقود كحصوله بالطعام، والجواب عن هذه الحجة من ثلاثة أوجه:

1 - أن الأصل في الزكاة التعبد، ولها جانب تعليلي، لكن لا ينبغي الميل إلى التعليل كل الميل، وإنما يلحظ هذا وهذا، فجَعْلُ الزكاة مجرد واجبٍ مالي يخرجه الإنسان، كسائر الواجبات المالية من نفقة ونحوها فيه إخلالٌ بملحظٍ مهم في هذه الشعيرة، وهو التعبد المرتبط بإتمام فريضة الصيام، ولهذا ردَّ أبو بكر ابن العربي على الحنفية قولهم بالقيمة في الكفارات بقوله: " إن نظرتم إلى سد الخلة؛ فأين العبادة؟، وأين نص القرآن على الأعيان الثلاثة، والانتقال بالبيان من نوعٍ إلى نوع، ولو كان المراد القيمة لكان في ذكر نوعٍ واحد ما يرشد إليه ويغني عن ذكر غيره "اهـ[أحكام القرآن (3/ 277)]، وهذا إيرادٌ متين، وأيضاً: من توسع في هذا الباب يلزمه أن يخرج قيمة الأضحية والهدي والدم في المناسك.

2 - أن العدول عن المقدرات الزكوية إلى القيمة من غير حاجة مخالف للسنة، وإلا لكان ذكر مقادير الزكاة في بهيمة الأنعام مثلاً عبث، وقول الشارع منزهٌ عن العبث، ومعلوم أن بعض الفقراء يستفيد من قيمة بنت اللبون أو بنت المخاض أكثر من انتفاعه لو أعطيها بذاتها.

3 - أن التنصيص على الأطعمة المذكورة، مع تفاوت قيمة كلٍّ منها عن الآخر يفيد مقصودية الطعام، ولو كان المقصود القيمة لجاء النص على طعامٍ مقارب في القيمة.

د - أن الفقراء يأخذون الأرز ويبيعونه بأبخس الأثمان، لينتفعوا بقيمته، مما يدل على أن المال أنفع لهم، والجواب: مع التسليم بوجود هذه الظاهرة عند من يتقبل الزكاة في الطرقات العامة، إلا أن تعميمها على فقراء البلد، أو أكثرهم غير مسلم، ولقد نجد كثيرين يفعلون هذا، وهو إنما يدل على تقصير أرباب الزكاة في تحري الأحوج فالأحوج، نعم لو فرض أن الناس تحروا ذوي الحاجة للطعام، فلم يجدوا من يقبلها إلا بنية بيعها فإن القول بدفع القيمة يتوجه حينئذٍ، والواقع أننا نشاهد كثيراً من آخذي الطعام يحتفون به ويقع منهم موقعاً حسناً، وبهذا يتبين ما في هذه الحجة من المبالغة.

والأمر كما قال ابن عبد البر: "وفي أخذ البدل والقيمة في الزكاة وفي صدقة الفطر كلامٌ يطول، واعتلالٌ يكثر، ليس هذا موضع ذكره"اهـ[التمهيد (4/ 139)].

رابعاً: إخراج الزكاة نقوداً بسبب غلاء الأرز:

تبين مما سبق أن الأصل في زكاة الفطر إخراجها من الطعام لا النقود، وأنها لا تُخرج نقوداً إلا استثناء للحاجة ومصلحة الفقير، فهل غلاء الأرز هذه الأيام يسوغ إخراجها نقوداً، رفقاً بأموال المزكين، أقول: إن هذا الغلاء يجعل الزكاة بالأرز أفضل من غيره، لأن الفقهاء نصوا على أن الأفضل أن يزكي بأغلى الأصناف ثمناً، وأنفسها عند الناس [المغني (4/ 291)]، وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أفضل الرقاب فقال: (أغلاها ثمناً، وأنفسها عن أهلها) [متفق عليه خ (3/ 188)، م (1/ 69)]، ولهذا استحب الإمام مالك إخراجها من تمر العجوة لأنها أنفس في عصره ومصره، واستحب الإمام الشافعي إخراجها براً، لأنه أنفس عنده، واستحب الإمام أحمد إخراجها تمراً، اقتداءً بالصحابة - رضي الله عنهم -، وروى بإسناده عن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبر أفضل من التمر، قال: إن أصحابي سلكوا طريقاً، وأنا أحب أن أسلكه [المغني (4/ 291)]. ويلي التمر في الأفضلية: البر عند الحنابلة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015