ثم إن زكاة الفطر صدقة عن البدن والنفس والرقبة، وليست صدقة عن المال كأنواع الزكاة الأخرى، قال الإمام مالك: " وإنما هي زكاة الأبدان "اهـ[التمهيد 14/ 328)]، وهذا مأخوذ من قوله في الحديث الآنف الذكر: (طهرة للصائم من اللغو والرفث)، وإلى هذا المعنى أشار ابن قتيبة في غريب الحديث (1/ 184): " قيل لزكاة الفطر: فطرة، والفطرة الخلقة، ... أي: أنها صدقة عن البدن والنفس، كما كانت الزكاة الأولى صدقة عن المال "اهـ.

فهي بهذا تختلف عن صدقة المال، ولذا منع الجمهور إخراجها نقداً في حين أجاز بعضهم إخراج النقود في زكاة المال، فالظاهر أن هذا هو مأخذ التفريق عندهم، وبه يعلم خطأ الغماري حين احتج على أفضلية القيمة بأن الأصل في الصدقة المال.

ويتفرع عن هذا المأخذ: أنها تجب على كل من فضَلَ له صاعٌ من قوته وقوت عياله يوم العيد وليلته، كما ذهب إليه كثير من الفقهاء خلافاً لأبي حنيفة [التمهيد (14/ 329)].

كما أن إخراجها طعاماً يستلزم كيلها ووزنها وإخراجها، ففيه إظهار لهذه الشعيرة، ولو أخرجها نقداً لكانت خفية، ولم يشعر بها أحد، فهذه مؤيدات تعضد قول الجمهور.

ثانياً: الخلاف في إخراج القيمة في زكاة الفطر:

بما تقدم يتبين أن من أخرجها طعاماً برئت ذمته باتفاق الفقهاء، واختلفوا في إخراجها نقوداً على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء: مالك والشافعي وأحمد وابن حزم إلى أنه لا تبرأ ذمته بذلك، وهو ما جرى به العمل في هذه البلاد المباركة، وعليه فتوى علمائها في غير حال الضرورة.

القول الثاني: ذهب الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وذكره الحنابلة رواية مخرَّجة عن أحمد: إلى جواز إخراجها نقوداً، وبه أخذ جماعة من المعاصرين، كالشيخ أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في رسالة له خاصة في الموضوع، سماها: " تحقيق الآمال في إخراج زكاة الفطر بالمال "، أفتى بذلك بسبب انقطاع الحبوب في عصره جراء الحرب العالمية، وقد جرت العادة أن تقوم دور الفتوى الرسمية في بعض البلدان الإسلامية بإصدار بيان بقيمة صدقة الفطر قبيل يوم العيد، بناءً على سعر الطعام الذي تخرج منه زكاة الفطر، وهذه الأسعار تتفاوت من عام لآخر، ومن بلد لآخر، ويطول الجدل هنالك حول تلك التقديرات!.

والمسألة من مواطن الاجتهاد كما ترى، وما روي عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -: (أغنوهم في هذا اليوم)، لم يثبت مرفوعاً، فقد رواه سعيد بن منصور والدارقطني والحاكم، وفي إسناده أبو معشر المديني ضعفه البخاري وغيره، فلا يحتج بحديثه، ولذا ألمح البيهقي إلى تضعيفه، وضعفه غير واحد كابن عدي في الكامل، والنووي في المجموع، وابن حجر في البلوغ (598) والفتح [(3/ 375)]، وله طريق أخرى عند ابن سعد في الطبقات، وهي الأخرى لا تثبت كذلك، لأنها من رواية الواقدي وهو متروك الحديث كما قال البخاري، ومع هذا فلو صح، فواضح منه أن مقصود زكاة الفطر: إغناء الفقير عن البحث عن (الطعام) ذلك اليوم، وليس المقصود به الإقناء؛ وهي حالٌ فوق الإغناء.

ثم إن قوله: " أغنوهم " مجملٌ، وقد فسره حديث ابن عمر في تسمية الواجب على وجه التحديد، والأخذ بالمفسر مقدم على المجمل عند أهل العلم.

ثالثاً: حجج القائلين بإخراج القيمة:

وللقائلين بالقيمة حجج لا تخلو جميعها من ضعف، وإن كانت تتعاضد في مجموعها لترجِّح الجواز للحاجة العامة والمصلحة الراجحة على سبيل الاستثناء، ومن تلك الحجج:

أ ـ قياسها على إخراج العروض في زكاة الأموال، وهي مسألة خلافية كذلك، واشتهر القول بالجواز عن أهل الرأي، ووافقهم عليه بعض المحققين، وقد انتصر الإمام البخاري لهذا القول، واحتج له في صحيحه [باب العرض في الزكاة]، ورجح ابن تيمية الجواز للحاجة والمصلحة الراجحة، ومنعه لغير الحاجة [مجموع الفتاوى (25/ 82)]، إلا أنه فرَّق بين زكاة المال وزكاة الفطر، فجعل زكاة الفطر زكاة أبدان، وألحقها بالكفارات، التي أوجب الله فيها الإطعام قصداً، فتجري مجرى كفارة اليمين والظهار والقتل والجماع في رمضان وكفارة الحج، فإن سببها البدن لا المال، " ولهذا أوجبها الله طعاماً، كما أوجب الكفارة طعاماً "اهـ (25/ 73)، هذا ما ظهر لي من كلام ابن تيمية، إلا أن برهان الدين ابن القيم قد نقل عنه في اختياراته (138)، جواز إخراج القيمة حتى في زكاة الفطر

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015