وأما حديث الأعرابي الذي يستدل به البعض على قبول شهادة الشاهد بمجرد كونه مسلما ودون أن يكون عدلا ضابطا فهذا نصه: عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ قَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا.
قَالَ أَبو عِيسَى (الترمذي) حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ سِمَاكٍ رَوَوْا عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا.
ولذلك فهو حديث ضعيف لأمور:
أولها: أن الراجح فيه أنه حديث مرسل، فهو مردود عند كثير من العلماء، ولم تتوفر فيه شروط القبول عند من يقبل المرسل بشروط.
ثانيها: أنه يتعارض مع النصوص الأخرى التي تشترط في الشاهد في كل مجالات الشهادة دون استثناء العدالة والضبط.
ثالثها: أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة.
مشكلات الإتمام:
يكون الإتمام عند عدم التمكن من رؤية الهلال مساء اليوم التاسع والعشرين، وفي القديم كانت هذه هي أفضل وسيلة - بعد الرؤية - لإثبات الشهر، بل هي الوسيلة الوحيدة عند المسلمين الأوائل الذين لم تكن لهم معرفة بالحساب والتقدير.
وقد كان الإتمام في العصور الإسلامية الأولى وبخاصة في غير فصل الشتاء قليلا نسبيا، لصفاء الجو، وخبرة الناس، واهتمامهم في مراقبة الهلال.
ولكن الإتمام في الدول الكثيرة الغيوم مشكلة كبيرة، فكثير من دول العالم يكون الجو غائما حتى في الصيف، وأما في الشتاء فلا تكاد الشمس تُرى، فكيف تمكن رؤية الهلال الصغير في الأفق؟ وهم في هذه الحالة بين أمور ثلاثة هي:
1. إكمال الشهر لعدم الرؤية، والمشكلة هنا أن هذا يتكرر، وسيضطرون لإتمام عدة شهور متوالية أحيانا، وهذا سيجعل الخطأ يتراكم شهرا بعد شهر حتى يصل في بعض الحالات إلى عدة أيام.
2. أن يأخذوا برؤية غيرهم ولا يعتدون باختلاف المطالع، وهذا أمر مختلف فيه، ولا توافق عليه بعض المذاهب، ولم يرد في هذا الموضوع إلا حديث واحد هو حديث كريب الذي يدل على وجوب أن يصوم كل بلد حسب المطلع الخاص به.
3. أن يأخذوا بالتقدير والحساب أخذا بالحديث الصحيح (إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ).
فوائد التقدير
إذا أنعمنا النظر في التقدير والحساب وجدناه خاليا من المشكلات التي نجدها في غيره، بل إننا نجد فيه فوائد متعددة تدل على أهميته، ومن أهمها:
1. أنه ينهي الخلاف المستمر المتكرر بين المسلمين في بداية الأشهر القمرية وبخاصة لشهري رمضان وشوال.
2. يُمَكِّننا من عمل تقويم هجري دقيق للمستقبل، ولا يمكن للعالم اليوم أن يعيش وينظم أمور حياته من غير تقويم دقيق للمستقبل يحدد بداية كل شهر وكل سنة ونهايتهما، وذلك لتنتظم مواعيد الناس في كل شؤونهم، كالتقاويم اللازمة للحكومات والمؤسسات، وتنتظم مواعيد الطائرات والقطارات وغير ذلك.
إن من أسباب انتشار التقويم الميلادي في العالم الإسلامي على حساب التقويم الهجري أن التقويم الميلادي منضبط، بينما لا يمكن عمل تقويم هجري للمستقبل ونحن ننتظر بداية كل شهر لنحاول رؤية الهلال.
3. الحساب هو الذي يُمَكِّن القاضي من مناقشة الشهود الذين يشهدون برؤية الهلال، ويستطيع الحكم على الشهادة، فإن كانت ممكنة قبلها، وإن كانت مستحيلة ردها.
4. ينهي الأخطاء، ويقطع الطريق على الكاذبين مهما كانت دوافعهم.
5. يحل مشكلة اختلاف المطالع، فإن هذه المشكلة لم تحل قديما.
6. يساهم في إزالة الفجوة المصطنعة بين الإسلام والعلوم الطبيعية.
اختلاف المطالع
لا شك أن مطالع القمر تختلف من منطقة إلى أخرى كما تختلف مطالع الشمس، وذلك نظرا لكروية الأرض، فقد يُرى الهلال في مكان ولا يرى في آخر، وهذه حقيقة علمية لا تقبل المناقشة.
¥