ولذلك فإن علماء الفلك يعلمون علم اليقين اليومَ والساعة والدقيقة بل والثانية التي يتم فيها الاقتران المركزي، وكل هذا معلوم لعشرات السنين القادمة، وهو معلن ومنشور، ويعرفه أهل الاختصاص والمهتمون بذلك.
وهذا الاقتران المركزي يتم في اللحظة ذاتها لكل الكرة الأرضية، أي لا يختلف باختلاف المطالع، وموعده - كما ذكرت سابقا - أمر قطعي لا يختلف فيه المتخصصون.
وإذا حدث الاقتران قبل منتصف الليل - بتوقيت جرنيتش - فيعد ذلك ولادة الهلال، وهو بداية الشهر فلكيا، ولكنه ليس بداية الشهر شرعيا، لأنه تستحيل رؤية الهلال في هذه الحالة، ولا بد لبداية الشهر شرعا من رؤية الهلال الجديد بعد غروب الشمس، أو إمكان رؤيته بحسب الحساب، وبين الولادة بالمعنى الفلكي للهلال والولادة بالمعنى الشرعي يوم كامل غالبا، ولذلك فمن الخطأ اعتماد الاقتران المركزي بداية للشهر شرعا.
وإذا حدث الاقتران المركزي وقت غروب الشمس فإن القمر في هذه الحالة يغيب مع غياب الشمس غالبا، وتستحيل رؤيته لأن الوجه المضيء للقمر بأكمله باتجاه الشمس، وليس مقابل الأرض إلا الوجه المظلم.
أما إذا حدث الاقتران المركزي قبل غياب الشمس بعدة ساعات فإن القمر يغيب بعد الشمس بوقت قصير لا يكفي لإمكانية رؤيته، فإن سرعة الشمس الظاهرية أكبر من سرعة القمر كما يراهما المراقب من فوق سطح الأرض، وفي حالات نادرة يغيب قبل الشمس كما حدث في هلالي شهري رمضان وشوال لعام 1427هـ.
ومتوسط الزمن الذي يتأخره القمر عن الشمس كما يراه الإنسان من الأرض حوالي 48 دقيقة في كل يوم، ومعنى هذا أن القمر يتأخر عن الشمس بمعدل دقيقتين في كل ساعة، فإذا تم الاقتران قبل غروب الشمس بخمس ساعات فإن القمر سيغيب بعد الشمس بعشر دقائق، وهذا بشكل متوسطي، وفي هذه الحالة أيضا تستحيل رؤية الهلال الجديد لأمرين:
أولهما: أن الجزء المواجه للشمس والأرض معا، أي الجزء المضيء من القمر بالنسبة لمن هو على سطح الأرض صغير جدا جدا لا يساوي إلا حوالي جزءا من سبعين جزءا من القمر بدرا.
ثانيهما: أن الهلال الصغير هذا يكون قريبا جدا من الشمس، وهو في مجالها الضوئي القوي، بحيث تكون أشعتها في الأفق بعد الغروب بعدة دقائق أقوى من ضوء الهلال الوليد.
ولذلك فمن المستحيل أن يرى الهلال إلا إذا تأخر غيابه عن غياب الشمس بما لا يقل عن (29) دقيقة، وهذا يعني أن يكون قد مضى على الاقتران حوالي (15) خمس عشرة ساعة على الأقل، وقد لا يُرى إلا بعد حوالي ثلاثين ساعة من الاقتران المركزي، وهذا يرجع إلى عدة متغيرات، منها موقع القمر من الأرض، وموقع الأرض من الشمس، لأن ذلك الموقع قربا أو بعدا يؤثر على سرعة كل منهما.
ومن الجدير بالذكر أن هذه المعلومات والأرقام قد وضعت بعد مراقبة مستمرة - لمئات السنين - من قبل كثير من المراصد، ومن قبل كثير من الهواة الذين يراقبون الهلال في مختلف أنحاء العالم وبخاصة - للأسف الشديد - العالم غير الإسلامي، وإن أقل زمن أمكنت رؤية الهلال فيه بعد الاقتران يعد من الأرقام القياسية التي تسجل، وإذا ثبت أن أحدا رأى الهلال بعد الاقتران بزمن أقل فإن هذا الرقم الجديد يسجل، ولكن الأمر بلغ من الدقة أن الرقم الجديد لا يختلف عن الرقم القديم إلا بالدقيقة أو أجزائها.
وتستحيل رؤية الهلال بعد الغروب - وهي الرؤية المعتبرة شرعا - إذا رئي صباحا قبل طلوع الشمس، لأن هذه الرؤية تعني أن الاقتران لم يحدث بعد، وأن القمر لازال - كما يُرى من فوق الأرض - أمام الشمس، وهذا يعني أنه لا بد من مرور 15 ساعة على الأقل حتى يحدث الاقتران، وإلى 15 ساعة أخرى بعد الاقتران لتمكن رؤيته، ويجب مرور هذا الوقت كله وهو ثلاثون ساعة على الأقل ما بين رؤيته قبيل طلوع الشمس وما بين بعيد غروب الشمس، وهذا مستحيل حتى في أطول نهار من أيام السنة.
كما أنه من المستحيل رؤية الهلال قبل حدوث الاقتران بساعات، لأنه في هذه الحالة سيغيب قبل الشمس، ومن المستحيل أن يُرى على صغره أثناء سطوع الشمس، وحتى لو رئي - فرضا - فلا يعتد بهذه الرؤية لأن هذا الهلال ليس هو هلال الشهر الجديد، وإنما هو بقية هلال الشهر السابق، ولذلك لا يعتد بهذه الرؤية لا شرعيا ولا فلكيا.
¥