وهكذا يمكن فهم الحديثين المتعلقين بحالة الغيم (فإن غم عليكم فأكملوا) و (فإن غم عليكم فاقدروا) بشكل متكامل، فإنه لا تعارض بين الحديثين، وإنما يطبق كل منهما في حالة غير الأخرى، فإن كان الحساب ظنيا، أو كانت الأمة أمية في هذا المجال فالحكم الشرعي هنا هو الإكمال، وأما إن كان الحساب قطعيا أو قريبا من ذلك فإن المطلوب في هذه الحالة هو التقدير، ولعل أول من قال بهذا الرأي هو ابن سريج أحد كبار الفقهاء في القرن الثالث الهجري، ولذلك نقل ابن العربي عنه أن حديث (فاقدروا) خطاب لمن خصه الله بهذا العلم.
وهكذا فإنه يتبين من خلال مناقشة الرأيين أن الرأي الثاني الذي يأخذ بالحساب والتقدير هو الأرجح في عصرنا بعد أن زالت عن الأمة الإسلامية أُمِّيَتُها، وبعد أن أصبح علم الفلك في مجال حساب حركة القمر والأرض علما قطعيا.
هل التقدير للإثبات والنفي أم للنفي فقط؟:
فرَّق بعض العلماء بين الأخذ بالحساب بين حالتي النفي والإثبات، فقالوا لا نثبت الشهر إلا بالرؤية أو الإكمال في حالة الغيم تطبيقا للأحاديث التي استدل بها الفريق الأول، ولا يأخذون بالحساب إلا في نفي شهادة الشهود إذا شهدوا برؤية الهلال وكان الحساب يقول باستحالة تلك الرؤية.
وقد ظهر هذا الرأي في وقت متأخر نسبيا، حيث بدأت الأمة تخرج من أميتها الفلكية، وبدأت الحسابات تدل على استحالة بعض الشهادات، ولعل أول من قال بهذا - إذا كانت الحسابات قطعية في النفي لا في الإثبات - هو تقي الدين السبكي في القرن الثامن الهجري حيث قال: وهاهنا صورة أخرى وهو أن يدل الحساب على عدم إمكان رؤيته … فلو أُخبرنا به بخبر واحد أو أكثر ممن يحتمل خبره الكذب أو الغلط .. لم تقبل الشهادة، لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظن لا يعارض القطع فضلا عن أن يقدم عليه، والبينة شرطها أن يكون ما شهدت به ممكنا حسا وعقلا وشرعا .. والشرع لا يأتي بالمستحيلات.
ولم يثبت السبكي الشهر بالحساب لسبب ذكره فقال: إن الحساب - لدخول الشهر - إنما يقتضي الإمكان، ومجرد الإمكان لا يجب أن يرتب عليه الحكم .. والفرق بينه وبين أوقات الصلاة أن الغلط قد يحصل هنا كثيرا بخلاف أوقات الصلاة يحصل القطع أو قريب منه غالبا. فسبب أخذه بالحساب في النفي فقط هو أن علم الفلك في عصره - أي قبل سبعة قرون - كان قطعيا في النفي دون الإثبات، أو هكذا ظن السبكي رحمه الله ولذلك فإن السبكي ممن يقول باعتماد الحساب في الإثبات أيضا إذا صار الحساب قطعيا كما في عصرنا.
وممن قال به من المتأخرين الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر، والشيخ علي الطنطاوي حيث يقول: وهذا الحساب قطعي، بينما الشهادة على الرؤية غير قطعية فربما توهم الشاهد أو كذب … وخلاصة رأي السبكي الذي يجمع بين العمل بحديث (صوموا لرؤيته) وبين حقائق علم الفلك هي أن نسأل أولا علماء الفلك هل يمكن أن يُرى الهلال هذه الليلة؟ فإن قالوا: نعم، تحرينا رؤيته … وإن قالوا بأنه لا يمكن أن يُرى رددنا شهادات الشهود … وأنا أرجو ممن يقرأ هذه الفتوى … أن يفكر في رأي السبكي فإن فيه العمل بالسنة وفيه اتباع حقائق العلم، وأرجو من أهل العلم وأرباب الأقلام أن يتكلموا فيه.
وهؤلاء الثلاثة ممن مارس القضاء، وخبر الأمر عمليا، واطلع على الأعاجيب في شهادات الشهود، وقد أخذ بهذا الرأي عدد من المحاكم الشرعية في الدول الإسلامية كمصر والأردن، ويقول بهذا الرأي عدد من العلماء اليوم، وذلك محاولة للتقريب بين رأي من يأخذ بالحساب مطلقا، ورأي من يرفضه مطلقا.
ولا شك أن هذا الرأي أقرب إلى الصواب من رأي من يرفض الحساب مطلقا، ويقبل شهادة من يشهد برؤية الهلال ولو قبل ولادته (الاقتران) بيوم كامل.
وميزة هذا الرأي ما يلي:
1. أنه يحاول التوفيق بين الرأيين السابقين.
2. أنه في الحقيقة درجة للوصول إلى الأخذ بالحساب في الإثبات والنفي.
3. أنه يعالج المشكلة كما يعيشها العالم الإسلامي اليوم، فالمشكلة الرئيسية في عصرنا ليست في عدم رؤية الهلال لغيم أو غيره مع أن الحساب يثبت وجوده، ولكن المشكلة التي تتكرر في أكثر السنين هي الشهادة برؤية الهلال قبل ولادته (الاقتران) أو بعد الاقتران ولكن أثناء المحاق، أي حيث لا تمكن رؤيته.
¥