والذي أرى أنه الراجح هو الرأي الثاني لما يلي:

أولا: أن معنى هذا الحديث كمعنى الحديث الوارد في مدة مكث الدجال وأنه يمكث أربعين يوما منها يوم كسنة (قلنا يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال صلى الله عليه وسلم: لا اقدروا له قدره)، فلا شك أن المعنى هنا هو الحساب لكل صلاة بحيث يصلون في ذلك اليوم صلاة سنة.

ثانيا: تبين لي بعد جمع الروايات ورسم شجرة الأسانيد ومقارنتها ما يلي: اتفق كل الرواة من طريق سالم عن ابن عمر، ومن طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر على رواية (فاقدروا له) كما هو في البخاري ومسلم والموطأ والنسائي وابن ماجة وأحمد، وبعض أسانيدهم مما قيل فيها: أصح الأسانيد.

وأما رواية (اقدروا له ثلاثين) فقد اختلف فيها الرواة عن نافع عن ابن عمر، فروى أكثرهم (فاقدروا له) من غير لفظة ثلاثين، كما في البخاري ومسلم والموطأ والدارمي وأحمد، وعدد هذه الروايات إحدى عشرة رواية، ولم ترد رواية (فاقدروا له ثلاثين) إلا في ثلاث روايات من طريق نافع كما في مسلم وأبي داود.

ولذلك فإن رواية (فاقدروا له) هي الرواية الأصح من حيث عددُ الرواة، ومن حيث قوةُ ضبطهم.

5. أن الحساب كان ظنيا، بل كان دون ذلك، ولكنه الآن أصبح قطعيا لأن حركة الأجرام السماوية من شمس وقمر وغيرهما حركة منتظمة لها قانون ثابت، يقول الله تعالى {الشمس والقمر بحسبان} أي بحساب ثابت دقيق جدا، كما تدل عليه صيغة المبالغة.

ويقول سبحانه {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون}.

ولقد بدأت محاولات الإنسان لمعرفة قوانين حركة المجموعة الشمسية منذ زمن سحيق، وبدأ العلماء يحققون شيئا من التقدم منذ آلاف السنين، ولكن حساباتهم كانت ظنية، واستمر العلماء في تعديل حساباتهم حتى أصبحت في عصرنا غاية في الدقة، وحتى أصبحوا يحسبون الشهر القمري بأجزاء الثانية، وأصبح من المعلوم لديهم جميعا دون اختلاف أن متوسط الشهر القمري هو: 29 يوما و12 ساعة و44 دقيقة وثانيتان و87% من الثانية، أفيمكن بعد ذلك أن يقال إن الحسابات الفلكية ظنية!.

ولذلك تعرف ولادة القمر (أي لحظة الاقتران) باليوم والساعة والدقيقة والثانية لمئات السنين القادمة، وهي الآن موجودة ومعلنة ومطبوعة لعشرات السنين القادمة، كما أنها موجودة في برامج الحاسوب، وعلى شبكة الإنترنت، وليس ذلك من العلم بالغيب في شيء، وإنما يدل ذلك على أن لهذا الكون سننا وقوانين ثابتة لا تتغير ولا تتبدل.

وأما ما يقال من اختلاف التقاويم فيما بينها فليس سببه اختلاف المتخصصين، فهذه التقاويم لا تصدر عن المتخصصين ولا عن المراكز العلمية، وإنما تصدر عن بعض المقومين الذين تعلموا ذلك من كتب وجداول قديمة مضت عليها مئات السنين، وفيها أخطاء، ولم يدرس هؤلاء المقومون علم الفلك الحديث، ومع ذلك فإن بعض وسائل الإعلام تخلط - كما هو شأنها - وتصفهم أنهم علماء في الفلك، وهذا كمن يخلط بين الطب الشعبي والطب الحديث وبخاصة في مجال التشخيص بعد كل التقدم الموجود في علم المختبرات وما شاكلها من وسائل.

ومما يؤكد هذه الدقة أن حسابات الكسوف والخسوف دقيقة جدا رغم أنها أصعب بعشرات المرات من حساب بداية الشهر القمري، ومع ذلك يحدد العلماء قبل عشرات بل مئات السنين مواعيد الكسوف والخسوف باليوم والساعة والدقيقة، ويحددون الأماكن التي يرى منها، وكم سيستمر، وهل سيكون كليا أم جزئيا، وكل ذلك يتحقق بدقة كما يعرف المتابعون لذلك، فإلى متى يمكن تجاهل ذلك؟ ولماذا يتم تجاهله؟ ولماذا يريد البعض أن يضع الإسلام في موضع المعارضة للحقائق العلمية الحديثة؟ وأن يوقع الإسلام في مثل ما أوقعت به الكنيسة في أوروبا نفسها، مما أدى إلى فصل الدين عندهم عن الحياة، ولمصلحة من يتم ذلك؟ بالرغم من أن الإسلام - وهو دين العلم - لم ينه عن الأخذ بالحساب والتقدير وبخاصة إذا كان قطعيا، بل قد أشار إليه، بل قد أمر به، كما سبق ذكره في أدلة أصحاب الرأي الثاني.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015