وقال جماعة: أنه لا يعتبر المجتهد التابعي الذي أدرك عصر الصحابة في إجماعهم، وهو مروي عن إسماعيل بن علية، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد، واختاره ابن برهان.
وقيل: إن بلغ التابعي رتبة الاجتهاد في عصر الصحابة، ثم وقعت حادثة فأجمعوا عليها، وخالفهم لم ينعقد إجماعهم، وإن أجمعوا قبل بلوغه رتبة الاجتهاد فمن اعتبر انقراض العصر اعتد بخلافه، ومن لم يعتبره لم يعتد بخلافه.
وقال القفال: إذا عاصرهم وهو غير مجتهد، ثم اجتهد ففيه وجهان: - يعتبر ولا يعتبر – قال بعضهم إنه إذا تقدم الصحابة على اجتهاد التابعي فهو محجوج بإجماعهم قطعاً، (انظر: إرشاد الفحول: 81). .
خصوصية الإجماع:-بيّن إمام الكاملية –رحمه الله- أن إجماع هذه الأمة حجة دون غيرها من الأمم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلالة)، (سنن الترمذي: 4/ 466، برقم (2167)،و شرح الورقات: 195 - 197) ..
والشرع ورد بعصمة هذه الأمة للحديث السابق ولقوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) (سورة البقرة، الآية: 143)، ونحو ذلك من الكتاب والسنة.
وقال أيضاً –رحمه الله-: كما ان الإجماع حجة على هذه الأمة حجة على التي تليها أي أهل العصر الثاني وفي أي عصر كان.
انقراض عصر المجمعين:-رجح إمام الكاملية –رحمه الله- القول بعدم اشتراط انقراض عصر المجمعين، وقال: ولا يشترط في انعقاد الإجماع وكونه حجة انقراض أهل العصر من المجمعين بموتهم، على الصحيح، فلو اتفقوا ولو حيناً لم يجز لهم ولا لغيرهم مخالفته، لأن دليل السمع عام يتناول ما انقرض عصره وما لم ينقرض، ولو في لحظة واحدة مطلقاً غير مقيد بانقراض العصر (انظر: شرح الورقات: 197. وقال الإمام الغزالي في المستصفى: 1/ 192: إن الحجة في اتفاقهم لا في موتهم وقد حصل قبل الموت). .
وهو بذلك يوافق ما ذهب إليه الجمهور وهم أكثر أصحاب الشافعي وأبي حنيفة والأشاعرة والمعتزلة، (انظر: المعتمد: 2/ 42. والبحر المحيط: 4/ 510).
ونقل إمام الكاملية الرأي المخالف وأورد عليه بعض الاعتراضات وقال: قيل: يشترط، أي انقراض عصر المجمعين، فإن قلنا انقراض العصر شرط يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد، في انعقاد الإجماع، فإن خالف لم ينعقد إجماعهم على هذا القول، وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد وجماعة من المتكلمين منهم الأستاذ أبو بكر بن فورك، وابن حزم الظاهري، ونقل الإمام السرخسي عن الإمام الشافعي رحمه الله أن انقراض العصر شرط لثبوت حكم الإجماع، (انظر: الإحكام لابن حزم: م1، ج4/ 152،و أصول السرخسي: 1/ 315،و إرشاد الفحول: 84،و شرح الورقات: 198).
الإجماع السكوتي:-
هو أن يقول بعض أهل الاجتهاد بقول وينتشر ذلك بين المجتهدين من أهل ذلك العصر فيسكتون ولا يظهر منهم إقرار ولا إنكار، (انظر: إرشاد الفحول: 84).
وقال إمام الكاملية: والإجماع يصح بقول البعض من أهل الإجماع، وبفعل البعض الآخر، وانتشار ذلك القول أو الفعل من البعض، وسكوت الباقين من المجتهدين عنه مع معرفتهم به، ولم ينكره أحد منهم، ولم يكن بعد استقرار المذاهب بل قبله وهو عند البحث عن المذاهب والنظر فيها، وأن يمضي زمن يمكن النظر فيها عادة، وأن تكون الواقعة في محل الاجتهاد، ويسمى ذلك بالإجماع السكوتي، (انظر: شرح الورقات: 199).
ونقل إمام الكاملية في شرحه للورقات المذاهب في الإجماع السكوتي وأورد عليه بعض الاعتراضات، وقال: اختار البيضاوي أن الإجماع السكوتي ليس بإجماع ولا حجة، واختاره القاضي نقلاً عن الإمام الشافعي وقال إنه آخر أقواله، وهو الظاهر من مذهب الإمام الجويني، وقال الغزالي: نصّ عليه في الجديد، واختاره الإمام الرازي، وإلى ذلك ذهب داود الظاهري، وعيسى بن أبان، (انظر: أصول السرخسي: 1/ 303 - 304،و إرشاد الفحول: 84،وشرح الورقات: 200).
أما استدلال الشافعي رحمه الله بالإجماع السكوتي في مواضع كأنه يوجد سؤال محذوف تقديره هو: أن الشافعي استدل بالإجماع السكوتي في مواضع فلماذا تقولون إنه ليس بحجة ولا إجماع؟ فقال ابن التلمساني: إن ذلك في وقائع قد تكررت كثيراً بحيث تنفي جميع الاحتمالات.
¥