ودليل الفقهاء القائلين بالكراهة التحريمية او التنزيهية، ما ورد من احاديث وآثار كثيرة تدل على عظيم فضل ماء زمزم، وكبير شرفه وجليل مكانته، حتى في الكتب السماوية السابقة، وايضاً نظروا الى ما ورد استعمال ماء زمزم فيه، فوجدوا انه ماء غَسَلَ به الملائكة الكرام قلبَ النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، يستعمل ماء زمزم للتبرك به بشربه والوضوء به، والاستشفاء به، وصبه على المرضى وحنّك النبي صلى الله عليه وسلم، به الحسن والحسين رضي الله عنهما، ونحو هذا من الاستعمالات التي فيها كل تكريم واحترام وتشريف لماء زمزم.
وعلى هذا جرى اصحابه الكرام رضي الله عنهم، والتابعون لهم باحسان، وجرى العمل على هذا عبر العصور، وهكذا نظروا فوجدوا انه ماء ليس كبقية المياه، فله كرامته وخصائصه الفريدة، فذهب الفقهاء الى المنع من استعماله في ازالة النجاسة ونحوها من الصور المتقدم، على خلاف درجة المنع بين كراهة تحريم وكراهة تنزيهية، وذلك لئلا يمتهن هذا الماء المبارك، ويزول احترامه من قلوب المؤمنين، فما إن هذا شأنه وفضله، يميزه عن سائر المياه، ويدفع ويُصان عن استعماله فيما لا يليق به، صيانة له
واحتراما وتشريفاً.
ومع القول بالمنع، فقد نص الفقهاء على حصول الطهارة به، وايضاً هذا الحكم بالمنع، وانما هو في حال وجود غير ماء زمزم للتطهر به، والإ فان لم يوجد غير زمزم، ودعت الحاجة لاستعماله في التطهر وازالة النجاسة به والإ فان لم يوجد غير زمزم، ودعت الحاجة لاستعماله في التطهير وازالة النجاسة به، فهذه ضرورة، ولا يخفى حكم الضرورات.
واما ما روي ((عن عطاء انه ساله رجل، شكى اليه من البواسير، فقال له عطاء: اشرب من ماء زمزم واستنج به)).
فيحتمل على هذا امره له بان يصب ماء زمزم على موضع الاستنجاء وهو مكان البواسير، وذلك للإستشفاء بزمزم، لانه يستنجي ويزيل النجاسة بزمزم.
حكم الوضوء، والتيمم مع وجود ماء زمزم
وقد نصّ على استحباب الوضوء من ماء زمزم المالكية، وابن الزاغوني من الحنابلة، ونص الحنفية والشافعية والحنابلة على جواز الوضوء حيث قالوا بعدم كراهة الوضوء بماء زمزم.
واستدلوا بما يأتي:ـ
عن علي رضي الله عنه، في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (… ثم افاض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بسَجْلٍ من ماء زمزم، فشرب منه وتوضا، ثم قال: أنزعوا يا بني عبد المطلب، فلولا ان تُغْلَبوا عليها لنزعت)).
ودلالة الحديث ظاهرة، فهو صلى الله عليه وسلم القدوة والاسوة الحسنة.
((وروى الحُمَيدي برجال ثقات عن وائل بن حُجْر، قال: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدلوا من ماء زمزم، فشرب، ثم توضأ، ثم مجَّ في الدلو مسكا و طيب من المسك، واستنثر خارجاً من الدلو)).
وايضا اذا كان من السنة صب ماء زمزم على الراس والبدن للتبرك به، فمن باب اولى التبرك به في الوضوء.
ومن المسائل الفقهية التي يُستحسن التنبيه اليها، ما يقع لبعض المسافرين، وهم يحملون من ماء زمزم، ويتزودون به في عودتهم الى بلادهم، فيحصل ان احياناً ينفذ ما معهم من المياه العادية من غير زمزم في طريق سفرهم، ويحتاجون الى الوضوء ونحوه من الطهارات، فلا يجدون غير زمزم.
وعلى هذا فالواحد من هؤلاء ان كان معه من ماء زمزم ما يكفي للشرب في سفره، ولا يخاف على نفسه العطش لا في الحال ولا في الارتحال، ويَفْضُل عن ذلك ما يكفي لوضوئه وطهارته، فلا يجوز له التيمم في هذه الحالة، ولا يصح؛ لانه واجدٌ للماء.
وقد سئل الإمام ولي الدين ابو زرعة العراقي، عن من حمل معه شيئاً يسيراً من ماء زمزم، هل يلزم عن فقدان الماء العادي ان يتوضأ به ام لا، فيتمم؟ فاجاب رحمه الله:ـ
انه لافرق في الماء المطلق الطهور بين ماء زمزم وغيره، فمن حضرته الصلاة، ومعه ماء كافٍ لطهورِه، وهو غير محتاج اليه للعطش، ولا في الحال ولا في المآل، وجب عليه استعماله، سواء أكان زمزم او غيرها.
وان كان لا يكفي في الطهارة، ففي وجوب استعماله خلاف، والاصح الوجوب ايضاً، وحيث تيمم، مع وجود الماء، ووجود استعماله، ولايصح تيممُه.
ثم قال الامام رحمه الله:ـ وان قال ـ حامل زمزم ـ انما حَمَلْتُه للتداوي؟
¥