وفي حديث محظورات الإحرام قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفاذين"، والنقاب هو الستر الذي يفصل على وجه المرأة، ويسمى البرقع، وفيه نقوب بحذاء العينين تنظر منهما المرأة، منعها من لبسه في الإحرام، وهذا دليل على أن لبسه معتاد في غير الإحرام، فقد كان النساء في الجاهلية وفي الإسلام يلبسن النقاب، ولا يتركنه أمام الرجال الأجانب.
هكذا تدل هذه النصوص على وجوب ستر المرأة وجهها بالنقاب والخمار وما أشبهه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ? يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ?: (إن على المرأة أن تستر نفسها بالخمار أو الجلباب، وتبدي عينًا واحدة تنظر بها الطريق)، فهذا كله يدل على أن ستر الوجه كان معمولاً به في الإسلام، وإنما الجاهلية قد يتساهلون بذلك، كما قال تعالى: ? وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ? (33) سورة الأحزاب.
ولما كثر مجيء النصارى إلى البلاد الإسلامية، وأمروا نساءهم بكشف الوجوه، خيل إلى من يعظمهم أن هذا من التقدم، وأن التشبه بهم فيه ترفع عن العادات القديمة، فاعتقدوا أن النقاب والخمار واللثام والجلباب أمور تقليدية ليست من الإسلام، فحملوا على النساء، وألزموهن بنزع الخمار ونزع الحجاب، الذي أمر الله به نساء المؤمنات في قوله تعالى: ? وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ? (53) سورة الأحزاب، فالحجاب هو ستر المرأة نفسها، وبالأخص محاسنها، لئلا تحصل الفتنة، فإن النظر إلى المرأة في حال تكشفها سبب لانتشار الفواحش وتمكنها، ولذلك أمر النساء والرجال بغض البصر، في قوله: ? قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ? (30) سورة النور، ثم قال: ? وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ? (31) سورة النور، هكذا جاء الإسلام بإبعاد المرأة عن الفتنة وعن وسائلها وأسبابها، حتى روي عن فاطمة رضي الله عنها قالت: (خير ما للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال).
والأدلة على هذه المسألة كثيرة مشهورة، لا يقدر هؤلاء على ردها، ذكر أكثرها الشيخ/ حمود التويجري في كتابه: ((الصارم المسلول على أهل التبرج والسفور))، وكذلك الشيخ/ بكر أبو زيد، والشيخ/ ابن باز، وكثير من العلماء الذين كتبوا في هذا الموضوع، ولا يستطيع دعاة التبرج أن يردوا تلك الأدلة، وإنما يتعلقون بواقع الناس، وبما عليه الأكثرون، ولا عبرة بالأكثرية. والله أعلم.
قاله وأملاه
عبدالله بن عبد الرحمن الجبرين
14/ 10/1427هـ
المصدر: موقع ابن جبرين