ثالثاً: إذا تحررت صورة الزواج بنية الطلاق، فليس من صُوَرِهِ ألبتة أن ينشئ سفراً من أجل هذا العقد ـ كما يقع وللأسف في هذا العصر من بعض الناس استغلالا لسرعة المواصلات وسهولتها ـ لأن هذا لا تنطبق عليه الصورة التي تحدث عنها الفقهاء.
وعند التأمل في هذه الصورة ـ وهي أن يحجز لبلد من البلاد بغرض الاستمتاع بامرأة ما، ثم يعود أدراجه ـ سنجد أنها (إلى السفاح أقرب منها إلى النكاح) لاسيما مع ما يحتف بتلك الزيجات من مخالفات شرعية ومفاسد، فأقل أحواله أنه عقد شبهة،ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
رابعاً: البحث الفقهي في الجواز والمنع قديم،ولكن أرى أنه لا بد من التنبه لأمور في سياق الحديث عن هذا الموضوع:
1 ـ ينبغي أن لا يُغْفَلَ جانب مقاصدي في هذا الموضوع،وهو مقدار ما يحدثه هذا النوع من النكاح من تشويه لسمعة المسلمين،وأنهم قومٌ خونة،ولا عهد لهم ... الخ.
ولعلّ مما يخفف من ذلك: إحسان العشرة للزوجة التي عقد عليها،وكأنها معقود عليها بنية التأبيد،ويتعامل معها بمقتضى ما دلّ عليه قوله تعالى: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [البقرة/229] وأن استبقاءها وارد فيما لو صلحت معها الحال، واطمأن البال.
2 ـ ثبت عندي بأخبار العدول الثقات: أنه يكتنف هذا الفعل في بعض البلاد التي تروج فيها سوق هذا النوع من النكاح، مخالفات شرعية قد تقضي ببطلان العقد منها:
أ ـ عدم وجود الأولياء للنساء المعقود عليهن، وإنما سماسرة يدّعون بأنهم أولياء لتلك المرأة.
ب ـ ما يحصل من بعض النساء تساهل في العدة بعد طلاق زوجها لها، فربما عاشرت في الإجازة الواحدة أكثر من ثلاثة رجال طمعاً في المال ـ والعياذ بالله ـ فليحذر المقدم على هذا العقد من الغفلة عن ذلك.
وكذلك ـ أيضاً ـ لا يجوز للرجل أن يكون في عصمته أكثر من أربعة نسوة، بحيث يغفل عن مراعاة العدة إن هو تزوج أكثر من أربع نساء في فترة متقاربة.
3 ـ من أقدم على هذا النوع من الزواج، فيجب عليه ـ إن حملت زوجته ـ أن يقوم بما يجب عليه من حقوق تجاه هذا الحمل وأمه الحامل،فهذا الجنين من مائه،وهو مسؤول عنه أمام الله تعالى.
ومع وضوح هذا الأمر، إلا أنه وجد من الناس من يتساهل في ذلك،والأخبار في هذا كثيرة.
وأنصح كل أخٍ ـ من الذين اطمأنوا إلى جواز هذا العقد ـ أن يفكر جيداً ـ قبل أن يضع قدمه في طريق هذا الزواج ـ في عدة أمور،منها:
أ ـ الواقع الاجتماعي لأسرته، فيما لو أعجبه الزوجة واستمر معها.
ب ـ الأولاد، كيف ستكون العلاقة بهم فيما بعد؟! وماذا عن تربيتهم إذا كبروا؟!.
وهل زواجه بهذه الصورة يحقق الغرض الذي لأجله تزوج ـ وهو التخفف من تبعات نقل الأولاد والزوجة ـ أم عاد زواجه هذا على قصده بالنقض؟!.
ج ـ الجانب الصحي،والتأكد من سلامة المرأة من الأمراض،خصوصاً في البلاد الغربية التي تكثر فيها العلاقات المحرمة.
د ـ هل هذا الزواج سيؤثر على الهدف الذي سافرت وتغربت من أجله؟ أم أنه سيكون مدعاة لانشغالك،والتأثير على هدفك؟!.
خامساً: يتبين مما تقدم أن مقام الفتوى في هذه المسألة يختلف من حال لأخرى، وأرى أنه ليس من المناسب إطلاق الفتوى بالجواز أو المنع دون النظر فيما يحتف بالواقعة من أوصاف وأحوال،مع أهمية النظر ـ أيضاً ـ في هذا المقام إلى المصالح والمفاسد عند استكمال الأركان والشروط.
والحمد لله رب العالمين،،،