ـ[نضال مشهود]ــــــــ[28 - Nov-2007, صباحاً 12:17]ـ

. . . . .

ومن أحسن الفراسة: فراسة عبد الملك بن مروان لما بعث الشعبي إلى ملك الروم فحسد المسلمين عليه فبعث معه ورقة لطيفة إلى عبد الملك. فلما قرأها قال: أتدري ما فيها؟ قال: فيها " عجب , كيف ملكت العرب غير هذا؟ " أفتدري ما أراد؟ قال: لا. قال: حسدني عليك. فأراد أني أقتلك , فقال الشعبي: لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني. فبلغ ذلك ملك الروم , فقال: والله ما أخطأ ما كان في نفسي.

ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ , فتحمله رتبته على نصرة الخطإ. وذلك خطأ ثان , ولكن تلطف في إعلامه به , حيث لا يشعر به غيره. ومن دقيق الفراسة: أن المنصور جاءه رجل , فأخبره أنه خرج في تجارة فكسب مالا , فدفعه إلى امرأته , ثم طلبه منها. فذكرت أنه سرق من البيت ولم ير نقبا ولا أمارة , فقال المنصور: منذ كم تزوجتها؟ قال: منذ سنة , قال: بكرا أو ثيبا؟ قال: ثيبا , قال: فلها ولد من غيرك؟ قال: لا , قال: فدعا له المنصور بقارورة طيب كان يتخذ له حاد الرائحة , غريب النوع , فدفعها إليه , وقال له: تطيب من هذا الطيب , فإنه يذهب غمك. فلما خرج الرجل من عنده قال المنصور لأربعة من ثقاته: ليقعد على كل باب من أبواب المدينة واحد منكم فمن شم منكم رائحة هذا الطيب من أحد فليأت به. وخرج الرجل بالطيب فدفعه إلى امرأته , فلما شمته بعثت به إلى رجل كانت تحبه , وقد كانت دفعت إليه المال , فتطيب منه , ومر مجتازا ببعض أبواب المدينة , فشم الموكل بالباب رائحته عليه ; فأتى به المنصور , فسأله: من أين لك هذا الطيب؟ فلجلج في كلامه. فدفعه إلى والي الشرطة , [ص: 39] فقال إن أحضر لك كذا وكذا من المال فخل عنه , وإلا اضربه ألف سوط. فلما جرد للضرب أحضر المال على هيئته فدعا المنصور صاحب المال , فقال: أرأيت إن رددت عليك المال تحكمني في امرأتك؟ قال: نعم. قال: هذا مالك , وقد طلقت المرأة منك.

14 - فصل

ومنها أن شريكا دخل على المهدي , فقال للخادم: هات عودا للقاضي - يعني البخور - فجاء الخادم بعود يضرب به , فوضعه في حجر شريك , فقال: ما هذا؟ فبادر المهدي , وقال: هذا عود أخذه صاحب العسس البارحة , فأحببت أن يكون كسره على يديك , فدعا له وكسره. ومن ذلك: ما يذكر عن المعتضد بالله , أنه كان جالسا يشاهد الصناع , فرأى فيهم أسود منكر الخلقة , شديد المرح , يعمل ضعف ما يعمل الصناع , ويصعد مرقاتين مرقاتين , فأنكر أمره , فأحضره وسأله عن أمره؟ فلجلج , فقال لبعض جلسائه: أي شيء يقع لكم في أمره؟ قالوا: ومن هذا حتى تصرف فكرك إليه؟ لعله لا عيال له , وهو خالي القلب , فقال: قد خمنت في أمره تخمينا , ما أحسبه باطلا: إما أن يكون معه دنانير , قد ظفر بها دفعة , أو يكون لصا يتستر بالعمل , فدعا به , واستدعى بالضراب فضربه , وحلف له إن لم يصدقه أن يضرب عنقه , فقال: لي الأمان , قال: نعم , إلا فيما يجب عليك بالشرع. فظن أنه قد أمنه , فقال: قد كنت أعمل في الآجر , فاجتاز رجل في وسطه هميان , فجاء إلى مكان فجلس وهو لا يعلم مكاني , فحل الهميان وأخرج منه دنانير فتأملته , وإذا كله دنانير فساورته وكتفته وشددت فاه , وأخذت الهميان , وحملته على كتفي وطرحته في الأتون وطينته. فلما كان بعد ذلك أخرجت عظامه فطرحتها في دجلة. فأنفذ المعتضد من أحضر الدنانير من منزله , وإذا على الهميان مكتوب: فلان ابن فلان , فنادى في البلد باسمه , فجاءت امرأة فقالت: هذا زوجي. ولي منه هذا الطفل , خرج وقت كذا وكذا ومعه ألف دينار: فغاب إلى الآن. فسلم الدنانير إليها , وأمرها أن تعتد , وأمر بضرب عنق الأسود , وحمل جثته إلى ذلك الأتون.

وكان للمعتضد من ذلك عجائب , منها: أنه قام ليلة , فإذا غلام قد وثب على ظهر غلام , فاندس بين الغلمان فلم يعرفه , فجاء فجعل يضع يده على فؤاد واحد بعد واحد , فيجده ساكنا , حتى وضع يده على فؤاد ذلك الغلام , فإذا به يخفق خفقا شديدا , فركضه برجله , واستقره , فأقر , فقتله.

ومنها: أنه رفع إليه أن صيادا ألقى شبكته في دجلة , فوقع فيها جراب فيه كف مخضوبة بحناء , وأحضر بين يديه , فهاله ذلك. وأمر الصياد أن يعاود طرح الشبكة هنالك ففعل , فأخرج جرابا آخر فيه رجل , فاغتم المعتضد وقال: معي في البلد من يفعل هذا ولا أعرفه؟ ثم أحضر ثقة له وأعطاه [ص: 40] الجراب , وقال: طف به على كل من يعمل الجرب ببغداد.

فإن عرفه أحد منهم فاسأله عمن باعه منه , فإذا دلك عليه فاسأل المشتري عن ذلك ونقر عن خبره.

فغاب الرجل ثلاثة أيام , ثم عاد , فقال: ما زلت أسأل عن خبره حتى انتهى إلى فلان الهاشمي , اشتراه مع عشرة جرب , وشكا البائع شره وفساده , ومن جملة ما قال: إنه كان يعشق فلانة المغنية وأنه غيبها , فلا يعرف لها خبر , وادعى أنها هربت , والجيران يقولون: إنه قتلها.

فبعث المعتضد من كبس منزل الهاشمي وأحضره , وأحضر اليد والرجل , وأراه إياهما , فلما رآهما امتقع لونه , وأيقن بالهلاك واعترف.

فأمر المعتضد بدفع ثمن الجارية إلى مولاها , وحبس الهاشمي حتى مات في الحبس.

وفي الكتاب من هذا الطراز كثييييير. . . وبارك الله صاحبه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015