.. رواه الشافعي وأحمد والشيخان وأهل السنن إلا الترمذي، وفي رواية لمسلم: ((كنت ألعب بالبنات في بيته)) وهن اللعب.
وعنها رضي الله عنها قالت: ((قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال: ما هذا يا عائشة، قالت: بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟ قالت: فضحك حتى رأيت نواجذه)) رواه أبو داود والنسائي.
قال الحافظ ابن حجر: واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه منسوخ وإليه مال ابن بطال , وحكى ابن زيد عن مالك " أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور"، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ، وقد ترجم ابن حبان "الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب"، وترجم له النسائي "إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات" فلم يقيد بالصغر وفيه نظر.
قال البيهقي -بعد تخريجه-: ثبت النهي عن اتخاذ الصور فيحتمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم , وبه جزم ابن الجوزي، وقال المنذري: إن كانت اللعب كالصورة فهو قبل التحريم، وإلا فقد يسمى ما ليس بصورة لعبة وبهذا جزم الحليمي فقال: إن كانت صورة كالوثن لم يجز وإلا جاز، انتهى المقصود مما ذكره ابن حجر رحمه الله تعالى
وأحسن هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب قول المنذري والحليمي.
وأما ما جزم به عياض وغيره من جواز اتخاذ صور البنات وأن ذلك مخصوص من عموم النهي عن اتخاذ الصور فإنه قول مردود. والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أنه ليس في حديث عائشة رضي الله عنها تصريح بأن لعبها كانت صورا حقيقية وبانتفاء التصريح بأنها كانت صورا حقيقية ينبغي الاستدلال بالحديث على جواز اتخاذ اللعب من الصور الحقيقية.
ومن ادعى أن لعب عائشة كانت صورا حقيقية فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلا.
وأما تسمية اللعب بنات كما في حديث عائشة رضي الله عنها فلا يلزم منه أنها كانت صورا حقيقية كما قد يظن ذلك من قصر فهمه.
بل الظاهر -والله أعلم- أنها كانت على نحو لعب بنات العرب في زماننا فإنهن يأخذن عودا أو قصبة أو خرقة ملفوفة أو نحو ذلك فيضعن قريبا من أعلاه عودا معترضا ثم يلبسنه ثيابا ويضعن على أعلاه نحو خمار المرأة، وربما جعلنه على هيئة الصبي في المهد ثم يلعبن بهذه اللعب ويسمينهن بنات لهن على وفق ما هو مروي عن عائشة وصواحباتها رضي الله عنهن.
وقد رأينا البنات يتوارثن اللعب بهذه اللعب اللاتي وصفنا زمانا بعد زمان، ولا يبعد أن يكون هذا التوارث قديما ومستمرا في بنات العرب من زمان الجاهلية إلى زماننا هذا والله أعلم.
وليس كل بنات العرب في زماننا هذا يلعبن باللعب اللاتي وصفنا، بل كثير منهن يلعبن بالصور الحقيقية من صور البنات وغير البنات من أنواع الحيوانات، وهؤلاء هن اللاتي دخلت عليهن وعلى أهليهن المدنية الإفرنجية، وكثرت مخالطتهم للأعاجم وأشباه الأعاجم.
وأما السالمات من أدناس المدنية الإفرنجية ومن مخالطة نساء الأعاجم وأشباه الأعاجم فهؤلاء لم يزلن على طريقة بنات العرب ولعبهن على ما وصفنا من قبل، وكما أن بين لعب هؤلاء وأولئك بونا بعيدا في الحقيقة والشكل الظاهر فكذلك الحكم فيها مختلف أيضا. فأما اللعب اللاتي على ما وصفنا فلا بأس بعملهن واتخاذهن واللعب بهن؛ لأنهن لسن صورا حقيقية، وأما اللعب اللاتي على صور البنات وأنواع الحيوانات فصناعتهن حرام، وبيعهن حرام، وشراؤهن واتخاذهن حرام، والتلهي بهن حرام، وإتلافهن واجب على من قدر على ذلك؛ لأنهن من الأصنام. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بطمس الأصنام كما تقدم في حديث علي رضي الله عنه.
والقول في الفرس الذي كان في لعب عائشة رضي الله عنها كالقول في لعبها سواء، ومن ادعى أنها كانت صورة حقيقية لها رأس ووجه فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إليه سبيلا.
¥