ولا يتعلل متعلل: بأن ثمة جماعة قد رووه عن ابن أبي عروبة عن قتادة فلم يذكروا فيه هذا الحرف! لأن هذا من قبيل زيادة الثقة على التحقيق. والتعلق بأمثال تلك العلة من التعنت المذموم!
وعبد الأعلى السامي: هو من هو في روايته عن سعيد، فضلا عن الثقة والأمانة والشهرة بالطلب.
وقد سبق وأقر الشيخ الفاضل خالد الحايك: بأن قتادة هو أقدم من روى هذا الحديث عن غيلان، وهو كما قال، إلا أنه زعم أنه لم ينسب أبا قتادة في روايته! ونحن قد أوجدناه النسبة مع نص آخر بإسناد أصح ما يكون إلى أبي الخطاب البصري الضرير!
ولا ينبغي العدول عن ذلك النص الصريح الصحيح إلى غيره من دعوى أن أبا قتادة في سنده هو العدوي البصري التابعي! وذلك من ثلاثة أوجه:
1 - الأول: أنها دعاوٍ قائمة على ظنون واحتمالات وتخمينات في الغالب! ولا يوجد بينها دليل حاسم للنزاع أصلا! وليس بمثلها تُرَدُّ روايات ثقات النقَلَة عند أهل العلم، لا سيما إذا كان هؤلاء النقلة في الحفظ والعلم والإتقان بحيث عرفهم النقاد من الحذاق في هذا الفن، فكيف إذا كان الدليل قائمًا على خلافها كما رأيتَ!
2 - والثاني: اتفاق حملة العلم والآثار وأئمة هذا الشان على أن صاحب هذا الحديث = هو أبو قتادة الأنصاري! دون غيره؟ بحيث أن من ذكر هذا الحديث وأعلَّه لم يتعرض للشك في تمييز صاحب الحديث أصلا!، وإن كانوا تكلموا فيه من وجوه أخرى، مع معرفتهم - بدون ريب - بأكثر تلك الأمور التي أوردها الفاضل الحايك بصدد دعوى نسبة الحديث إلى أبي قتادة البصري!
وليس هذا الاتفاق القوي جدًا مما يردُّ بمجرد ظنون غير قائمة على حقائق لا تختلجها الشكوك من هنا وهناك!
3 - والثالث: أن أقوى تلك الاحتمالات جميعا هو قول ابن معين: (كلّ شيء يُروى عن ابن سيرين، وعن البصريين، عن أبي قتادة، فهو أبو قتادة العَدوي).
وهذا النص غاية ما فيه هو ما انتهى إليه معرفة أبي زكريا الغطفاني وحده! وليس هذا بحجة قاطعة على توهيم جميع ما رواه بعض البصريين عن أبي قتادة الأنصاري!
وهذا القول يقابله: ما وقع في رواية بعض الثقات الأثبات من صحة رواية بعض البصريين عن أبي قتادة الأنصاري حديث صوم عرفة هنا! مع تصحيح مسلم والنسائي وابن خزيمة والطبري وابن حبان وأبي نعيم وطوائف لا يحصون من المتقدمين والمتأخرين.
وفي تصحيح هؤلاء: ما يتضمن جزمهم بكون صاحب الحديث هو أبا قتادة الأنصاري دون سواه.
ومن حفظ وعلم حجة على من لم يحفظ ولم يعلم.
وقد كان ربما يصبح قول ابن معين قويًا في تلك القضية لو أنه قال: (حديث أبي قتادة في فضل عرفة من رواه من أهل البصرة إنما رواه عن أبي قتادة العدوي)! ونحو تلك العبارة.
ويجاب عن قول البخاري في قضية السماع: بمثل ما أجبنا به عن قول ابن معين سواء بسواء، بكون من صحح الحديث من حذاق أئمة هذا الفن من المتقدمين قد وقفوا من صحة الحديث واتصال سنده على من لم يقف عليه سواهم ممن أشار إلى إعلاله مع عدم جزْمِه بذلك!
.........
هل النسائي والطبري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وجمهرة الحفاظ الأوائل كلهم صححوه من أجل المعاصرة أيضًا في قولك؟ ما لكم كيف تحكمون؟
قال الحافظ أبو بكر ابن ثابت البغدادي: (عبدالله بن معبد الزماني البصري: سمع أبا قتادة الأنصاري).
وجَزْمُ هذا الحافظ مع من سبقه: مقدم على نفْي من نفاه! على التسليم بكون البخاري قد نفاه على الحقيقة! وليس من ذلك شيء؟ إنما نفى علمه بذلك وحسب! ونحوه قول ابن معين.
فكيف بعد ذلك لا يقال: إن من علم وحفظ حجة على من لم يعلم ولم يحفظ؟
.........
لكن الحقيقة: أنك غير مسبوق بتضعييف هذا الحديث - من السابقين- حتى من البخاري وابن معين أنفسهما!
.........
هو صحيح عند أكثر النقاد المتقدمين من أئمة هذا الشان، مع جريان العمل على ذلك منذ أربعة عشر قرنا من الزمان. لم يخالف في ذلك سوى بعض فضلاء هذا العصر وحسب!
وأنا ألزمك: بمسايرة القوم في هذا المسلك، لأن أحدًا منهم لم يخالف في ذلك صراحة!
فهل تستطيع أن تقول: بأن البخاري وابن معين يضعفان هذا الحديث!
ومن علامات اتباع منهج المتقدمين: عدم الخروج عن تصحيح ما صححوه من الأخبار.
.........
وقد قال شيخ الإسلام أبو محمد الفارسي: (وأما سماع عبد الله بن معبد من أبى قتادة: فعبد الله ثقة - والثقات مقبولون - لا يحل رد رواياتهم بالظنون).
ولا يستطيع أحدٌ أن يرد على رواية قتادة عن غيلان عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة قال: (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه و سلم أقبل عليه عمر ... ) وذكر الحديث.
فهذا نص في محل النزاع، والدرأ في نحره بأنواع من التكلفات وغيرها من توهيم الثقات = ليس يسلكه أهل الإنصاف عندي. وسأشرح ذلك فيما يأتي.
.........
أن أمثال النسائي- ودعك من أبي الحسين بن الحجاج الآن - والترمذي والطبري وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من جهابذة النقاد قديمًا وحديثًا قد جزموا بصحة هذا الحديث الشريف، اتكاءً على المعاصرة دون السماع بين عبد الله بن معبد وحرملة بن إياس وبين أبي قتادة!
.........
بل الأصل في تصحيح هؤلاء - دون مسلم -: أنهم وقفوا على ما يفيد سماع من روى هذا الحديث عن أبي قتادة الأنصاري، فلذلك لم يتوقفوا في تصحيحه البتة!
.........
فقد سبق: أن الزعم بكون جميع من صحح هذا الحديث من المتقدمين إنما صححه بناء على المعاصرة دون السماع = هو دعوى ممجوجة ليس يستطيع صاحبها إقامة البرهان عليها ولو أنه ركب المجرَّة! وإنما نوافق المعترض بشأن مسلم بن الحجاج وحسب.
فتصريح من أثبت السماع من المتأخرين - كالخطيب البغدادي وابن حزم - يوافق تلويح من صحح الحديث من المتقدمين.
........
وتأمل قول الحسن بن عثمان الحافظ المؤرخ وهو يقول: (شَهِدَ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ عَلِيٍّ مَشَاهِدَهُ كُلَّهَا فِي خِلافَتِهِ).
فبالله: كيف يكون أبو قتادة لم ينزل البصرة مع كونها شهدت معارك مشهورة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في غابر الأزمان؟ فأيُّ دليل أصرح من هذا يا رعاك الله؟
××××××××××××××××××××××
ولي عودة للموضوع لعلي أضيف ما يفيد
وأرجوا من الأخوة إثراء الموضوع
.
¥