قلت: كأن أبا حاتم رحمه الله اغتر بما جاء في رواية منصور بن زاذان: "نزل بنا"، فظنّ أنه أبو قتادة الأنصاريّ، وليس كذلك، وإنما هو أبو قتادة العدوي البصري.

والشخص إذا كان بنفس المدينة وزار بيتاً وأقام فيه، فيصلح أن يُقال: "نزل عند فلان"، فهذا اللفظ لا يقتضي أنه كان من بلدٍ آخر، وإنما يقتضي أنه من مكانٍ بعيد، ففهم أبو حاتم من هذا أنه ليس من البصرة، والمشهور عند أهل العلم هو أبو قتادة الأنصاري، فظنّه أبو حاتم هو، فَوَهِم.

ورواية أيوب واضحة في أن نزوله عندهم، أَي زارهم، وهذا يعني أن مسكنه كان بعيداً عنهم، والتنقل في ذلك الزمان كان يحتاج إلى أيام، ولو بالمدينة نفسها، فزارهم، وتعشّى عندهم تلك الليلة، ولو كان أبو قتادة هذا الأنصاريّ الصحابي لما تركه آل سيرين ولسمعوا منه أحاديثاً كثيرة؛ لأنهم بيت علم، ولكان لهذه الزيارة وقعٌ وانتشار عند أهل البصرة.

وروى الترمذيُّ وابن ماجه عن مُحَمَّد بنِ بَشَّارٍ، قالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ يُونُسَ، قالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ هِشَامِ بنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا وَلِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ)).

قال الترمذيّ: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ".

واغتَّرَ بذلك الحافظُ المزيّ فذكر: أَن ابن سيرين يروي عن أبي قتادة الأنصاري!

والحديثُ مرسلٌ! فأبو قتادة هذا هو العدوي، وهو يُرسل عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وهذا الجزء من الحديث محفوظ من طريق آخر صحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولكن هناك تكملة له، لا تصحّ، تدلّ على أنه مرسلٌ!!

وهناك والحمد لله أدلة أخرى لا يتسع المجال لذكرها.

هذا والله أعلم وأحكم.

.........

من تفحص الأسانيد في الأصناف وجد خلطاً كثيراً من أصحابها في هذه النسب، وعندي أكثرلا من مثال على ذلك.

على كل حال هذا رأي أخينا أبي المظفر ولم يأت حفظه الله بشيء مقنع.

الاتفاق الذي ذكره وتأويل قول ابن معين وغير ذلك -في نظري- لا يناهض ما ذكرته من أدلة تقضي بأن راويه هو: "أبو قتادة العدوي".

وملخصها:

1 - سؤال شعبة لغيلان عن نسبة أبي قتادة.

2 - متابعة حرملة عن أبي قتادة وهو بصري كعبدالله بن معبد الزماني.

3 - قول ابن معين.

4 - طبقة تلاميذ أبي قتادة وانتشارهم وسعة علمهم ولا يوجد عندهم هذا الحديث.

5 - قول عطاء بن أبي رباح عالم مكة أن هذا الحديث مخرجه عند أهل العراق.

6 - الحديث الآخر الذي ذكرته عند الترمذي عن أبي قتادة ظناً أنه الأنصاري، وهو مرسل معروف عند أهل البصرة.

7 - قول الإمام البخاري وإشارته إلى الانقطاع بين الزماني وأبي قتادة -وإن كان هذا ليس ما اعتمدنا عليه-.

8 - عدم وجود نص من أهل العلم بأن أبا قتادة الأنصاري نزل البصرة إلا ما جاء من حكاية محمد بن سيرين، وقد أثبتنا أنه العدوي.

9 - هذا الحديث يشبه المراسيل الذي ضم كل أنواع صيام النوافل مع ترتيب الأجر على صيام ما لا يحفظ منها كصيام عرفة وعاشوراء.

10 - بعض النكارة في متنه، كغضب النبي صلى الله عليه وسلم ممن سأل عن صيامه! وكيف يغفر لمن صام عرفة سنة لاحقة. مع عدم الاقنتاع بأجوبة بعض أهل العلم على مثل هذه الأمور.

وهناك أمور أخرى تتعلق بمعالجة ما ذكرته وما لم أذكره من كلام أهل العلم في هذا الحديث.

والله تعالى أعلم وأحكم.

ورد عليه الأخ أبو المظفر السناري

بأمور منها الآتي:

حيث قال:

بلى قد نسبه قتادة في روايته عند ابن البيع النيسابوري وغيره بإسناد مستقيم إليه.

ودعوى أن يكون ذلك تصرفًا ممن دون قتادة! لا تقوم على ساق في ميادين التنقيح والتحقيق!

ثم دونك الحجة القاطعة على أن أبا قتادة في إسناد هذا الحديث هو الصحابي الأنصاري: فقال الطبري في (التهذيب): (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى السامي، عن سعيد، عن قتادة، عن غيلان بن جرير، عن عبد الله بن معبد الزماني، عن أبي | قتادة الأنصاري قال: بينما نحن عند رسول الله، إذ جاءه أعرابي ..... ) وساق الحديث.

قلت: وهذا إسناد لو قُرِيَء على مجنون لأفاق!

وقوله: (بينما نحن عند رسول الله ... ) نص في محل النزاع لا ينبغي إلا خنوع الرأس له!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015