في هذه الورقات سأحاول أن ألقي الضوء على هذا الحديث من جميع جوانبه بإذن الله تعالى، وأن أجلي عن بعض من ناقشني حوله حقيقة الصواب وموطنه، مبيناً أحواله سنداً ومتناً حتى يتضح في الختام حال هذا الحديث وما فيه من كلام.

أولاً: لا ينسى أننا نتكلم عن حديثٍ أودعه الإمام الجهبذ الناقد الحافظ المطلع العارف مسلم بن الحجاج في صحيحه؛ والذي اشترط في مقدمة كتابه شروطاً لا يستهان فيها ولا يتساهل .. وعملية التصدي لأحاديث قد أخرجها الشيخين في صحيحيهما تعد عملية انتحارية متهورة إذا لم يكن هذا المتصدي عارفاً مستعداً لأن يتقدم قدماً في المواصلة في هذا التصدي .. أما أن يأتي لمجرد الهوى والعبث؛ ويأخذ كلاماً من هنا وكلاماً من هناك ويجعله سيفاً قاطعاً لحديثٍ أخرجه أحد الشيخين في صحيحيهما بدون سبرٍ ومعرفةٍ وتتبعٍ واستقراء وفهم للنصوص وتنزيلها التنزيل الصحيح = تهورٌ وتعسفٌ وضرب من العبث.

الإمام مسلمٌ رحمه الله تعالى قد جعل هذا الحديث من الرتبة الأولى لما اشترط إخراجه، وهذا يعني أنه غايةً في الصحة عنده، مستوفٍ جميع الشروط القاسية التي وضعها الإمام مسلم وتجاوزها.

ولا شك أن الطعن في حديثٍ بهذه الصورة = طعنٌ فيمن خرّجه ورواه، وهذا الذي يتنزه الإمام مسلم عن التعرض له به أو التعريض حتى .. فحاشاه رحمه الله هذه الغفلة والعجلة التي لا تتوافق ومكانة الإمام وشرطه في صحيحه ثاني أصح كتابٍ بعد كتاب الله سبحانه وتعالى.

فالغفلة عن هذه النقطة مشكلة كثيرٍ من متعلمة هذا اليوم، يتجرأ أحدهم على الكلام عن أحاديث الصحيحين بلا روية ولا خوفٍ ولا ضبط ولا علم راسخ؛ فيخبط خبط عشواء، ويحطب حطب ليلة ظلماء .. فالله المستعان.

ثانياً: عند الكلام عن هذا الحديث وكلام الأئمة حوله؛ فليس لنا علاقةٌ بأي كلامٍ آخر خارج الحديث مجال البحث، بل كلامنا كله محصورٌ منصبٌ حول حديثنا هذا وما قيل حوله سواءٌ في السند أو المتن.

أما أن يأتي أحدهم ممن يدعي المعرفة والتعلم؛ ويصف أحد الرواة بالوهم والخلط في هذا الحديث بناءً على أن أحد الأئمة وصفه بهذا في كلامٍ عام؛ فلا وألف لا، بل ليس لهذا الفعل منه عندنا أي ترحيب، بل هو مردود مضروب عليه مضبب.

أثبت أن فلاناً الراوي وهم وخلط في هذا الحديث معنا ثم تكلم، أما أن تصفه بالخلط والوهم جزافاً وتعميماً بناءً على وصفه بذلك من أحد الأئمة؛ فلا أنصفت ولا بررت، بل خرفت وتجنيت وتبليت.

ومتى كان وصف أحد الرواة بأمرٍ من بعض العلماء = تعميم شاملٌ كاملٌ على جميع مروياته؟!

فرحم الله أهل العلم الحق ما أنصفهم وأضبطهم، وما أعجل أهل هذا الزمان من متعلمةٍ وطلبة علم .. فاللهم سلّم.

ثالثاً: عند الكلام على حديثٍ ما ومحاولة دراسته وتخريجه وبيان الصواب فيه؛ يجب ويلزم ويتعين استيعاب جميع طرقه وأوجهه ما أمكن ذلك سبيلا .. ومن ثم النظر في هذه الطرق والأوجه ومحاولة التوفيق بينها، وارجاع ما يمكن إرجاعه إلى بعضها البعض، وحمل أحدها على الآخر، وتقديم الأمتن والأوثق والأضبط، وهكذا.

من بعد هذا كله تأتي مرحلة التقديم والترجيح، والتصويب والتصحيح، وفق المنهج الصحيح المعروف المتبع عند أهل العلم وأئمته .. أما أن يتعجل المتعجل بالحكم على الحديث؛ ومن ثم اطلاق رأيه عليه بدون فعل ما سبق = خللٌ ونقصٌ وعجلة ممقوتة .. ومتى كان عالم الحديث هكذا؟! بل ومتى كان علم الحديث هكذا؟! .. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

رابعاً: القول في جمع طرق وأوجه هذا الحديث مستعيناً بالله تعالى؛ فأقول:

هذا الحديث عند مناقشته لابد من الأخذ بعين الاعتبار كلا الألفاظ التي ورد بها، وهذه نقطة مهمة لا ينبغي تجاهلها أو اغفالها .. وقد وقع كثيرٌ ممن تعرض لهذا الحديث بالخطأ لما أن لم يتنبه إلى هذه النقطة.

فهذا الحديث قد ورد بعدة ألفاظ؛ فقد روي على أنه مقطع واحد، وروي على أنه مقطين.

ثم من رواه على أنه مقطع واحد؛ اختلف فيه: فمنهم من روى القسم الأول منه فقط، ومنهم من روى القسم الثاني منه فقط .. وقبل بيان هذا الأمر أقول:

تفرد بهذا الحديث على اختلاف متونه (إبراهيم النخعي) رحمه الله تعالى .. ثم اختلف عليه: فرواه الأعمش عنه موصولاً ولم يختلف عليه فيه، ورواه عنه منصور مرسلاً واختلف عليه فيه.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015