((وابن مسعود رضي الله عنه كان يعلم – وهو يردُّ على حذيفة – أن أصحابه المعتكفين كانوا وفرة وجماعة، وأن حذيفة فردٌ واحدٌ، لكنه علم في قرارة نفسه – بدليل شكّه وتردده – أن حذيفة حفظ، وهو لم يحفظ، وأن جماعة المعتكفين لا يُعوَّلُ عليهم في ذلك كما يعوَّل على حذيفة، وإلا لرجع إليهم بالسؤال عن اعتكافهم)).
ثُم وجهٌ آخر في الجواب عن هذه الشبهة: هو أن قول ابن مسعود رضي الله عنه في ردّه على حذيفة ليس نصّاً في تخطئة حذيفة في روايته للفظ الحديث، إنما قد خطَّأه في فهم الحديث واستدلاله به على العكوف الذي أنكره حذيفة، بدليل قول حذيفة له: ((وقد علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... )). ثم ذكره، فابن مسعود يعلم الحديث – كما قال له حذيفة – ووافقه ابنُ مسعود، لكنَّه يُخالف حُذيفة في فهمه! ". انتهى.
وقال في الحاشية: "فيكون رضي الله عنه قد فهمه بمعنى: ((لا اعتكاف كاملاً إلا في المساجد الثلاثة))، فلا مجال لفهمه فهماً آخر يُغاير ظاهره سوى هذا الفهم!! ولكنه – حقّاً – فهمٌ منقوضٌ من الناحية اللغوية، إذ من المتفق عليه أن الأصل في الكلام الظاهر، ولا يدفع الظاهر إلا بدليل، ولا دليل هنا يُخرج نفي جنس الاعتكاف عن أي مسجد ويحصره بالمساجد الثلاثة عن ظاهر هذا اللفظ، إذ معنى ((لا)) هنا: أنها نافية للجنس، أي: جنس الاعتكاف بالكلية، ووجود ((إلا)) بعدها يحصر هذا النفي المطلق ويخصُّه بالمساجد الثلاثة الواردة في الحديث. فيبقى الحديث على دلالته العربية الصريحة الموافقة لظاهره دون ورود ما ينقله عن هذا الظاهر، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات".
وقال في حاشية أخرى: "وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (4/ 36) تعليقاً على الرواية الموقوفة المتقدم ذكرها: ((ولو كان ثَمَّ حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ما خالفه)) يعني: ابن مسعود! قلت: فثبوت الحديث مرفوعاً يؤكد أن ابن مسعود ما خالفه إلا من حيث الفهم، كما أسلفت بيانه" انتهى.
قلت: في كلام حلبي هذا جملة من المغالطات و (الشبهات! – على رأيه -) والتعريض بعبدالله بن مسعود رضي الله عنه في فهمه للغة!!!
1 - تأكيد حلبي على أن كلام ابن مسعود هو احتمال قد بيّنت وهاءه فيما سبق، وهو ليس كذلك.
2 - هناك شكٌّ في الرواية لم يَعرض له حلبي وكثيرٌ ممن تعرض للكلام على هذا الحديث، وقد سبق بيانه في المطلب الثاني، ولله الحمد.
3 - قوله بأن حذيفة جزم بنسبة الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم دونما تردد أو شك، وابن مسعود وضع احتمالات!! هذا الكلام فيه اتّهام لابن مسعود أنه يعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاحتمالات! سبحانك ربي هذا بهتان عظيم! فالصحابي رضي الله عنه إذا سمع الحديث مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ينقاد إليه لا أنه يضع الاحتمالات اللهمَّ إلا إذا كان عنده هو حديث مرفوع آخر، وإلا فلا يظن بابن مسعود هذا.
وقد تبيّن لنا بالدليل القاطع أن الصواب في هذا الحديث عدم نسبة الرفع إليه صلى الله عليه وسلم، وعندها تسقط (احتمالات) حلبي هذه!
4 - وأما ما نقله حلبي عن شيخنا أبي مالك محمد شقرة من كتابه ((إرشاد الساري)): "وابن مسعود كان يعلم ... " إلخ، إنما بناه الشيخ – حفظه الله - على صحة الرواية المرفوعة، وقد تبيّن عدم صحتها.
ثُمّ إن الفرضية بأن عبدالله قد شك وتردد، وعلم بأن حذيفة حفظ وهو لم يحفظ، وأن جماعة المعتكفين لا يعوّل عليهم في ذلك كما يعوّل على حذيفة، وإلا لرجع إليهم بالسؤال عن اعتكافهم، فيه نظر؛ لأن عبدالله لم يشك ولم يتردد كما بينته سابقاً، وأن عبدالله إنما اقتصر على عبارة واحدة فقط، وهي أن حذيفة أخطأ، وهم أصابوا.
ثُمّ إن جماعة المعتكفين هؤلاء إنما فيهم كثير من الصحابة، فكيف لا يُعول عليهم، ويعول على حذيفة وحده؟!
وأما أنه لو كان يعول عليهم لرجع إليهم بالسؤال فكان هذا يتجه لو كان حديث حذيفة مرفوعاً! أَمَا وقد تبيّن أنه من اجتهاد حذيفة، فلا داعي للرجوع إليهم؛ لأن الجميع يعرف أن الاعتكاف جائز في كلّ المساجد على أصله عندهم، ولهذا لم يَحْتَجْ إلى الرجوع إليهم؛ لأن ما طرحه حذيفة هو من اجتهاده.
5 - وأما الوجه الآخر الذي أتى به حلبي للرد على هذه الشبهة فهو ردّ (الشيخ الألباني)، ولم يُشر إلى ذلك!
¥