ـ[عبدالرحمن بن شيخنا]ــــــــ[26 - Oct-2010, مساء 04:25]ـ

المسألة الثالثة: تفنيدُ مزاعم وشبهات سمّاها حلبيّ دفع بها عن حديث حذيفة:

أولاً: إنكار ابن مسعود على حذيفة:

أ- قال حلبي تحت عنوان: (شبهات): "وقد أورد البعض شبهات على حديث حذيفة، نوردها ونورد الجواب عنها:

الأولى: أنَّ ابن مسعود أنكر على حذيفة قولَه بقولِه: ((لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا))!

فالجواب: أن هذا ليس نصّاً في تخطئة حذيفة، إذ ((لعل)) في لغة العرب تفيد الترجي، وهو توقعُ أمر ممكن، والتوقع نوعٌ من أنواع الاحتمالات! وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال، كما يقول علماء الأصول! ".

قلت:

1 - هذه التي ذكرها حلبي لا تُسمى شبهات؛ لأن الشبهات شيء مذموم والورع اجتنابها كما في حديث النعمان بن بشير: ((فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه وعِرضه))، وإنما هي إشكالات، وهي موجودة في كثير من الأحاديث.

ولم يذكر لنا حلبي مَن صاحب هذه الشبهات أم هي (شبهات!) افتراضية من عنده؟!

2 - اختار حلبي معنى (لعل) الذي في الحديث أنها للترجي، وهذا منه: إما جهلٌ باللغة، وإما تدليسٌ وتلبيسٌ على القارئ لنصرة مذهبه!!

نعم، لعل تأتي بمعنى الترجي، ولكن ليس هنا! ثُمّ ما معنى الترجي الواقع هنا؟! هل معنى كلام ابن مسعود يقع على الترجي؟! وما هو الذي يرتجيه من حذيفة؟! فهل يقصد: أرجو أن تكون نسيت، وهم قد حفظوا، أو أرجو أن تكون أخطأت، وهم قد أصابوا؟! هل يظنّ بابن مسعود هذا الفهم؟!!

قال الإمامُ أبو منصورٍ الأَزهريُّ: عل ولعل حرفان وضعا للترجي في قول النحويين، وقال يونس في قول الله تعالى: {فلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ} و {فلعلك تارك بعض ما يُوحى إليك} قال: معناه: كأنك فاعلٌ ذلك إن لم يؤمنوا.

قال: ولعل لها مواضع في كلام العرب، من ذلك: قوله تعالى {لعلكم تذكرون} و {لعلكم تتقون} و {لعله يتذكر}، قال: معناها: كي، كقولك: إبعث إليّ بدابتك لَعلي أركبها، بمعنى كي.

قال: وتقول: انطلق بنا لعلنا نتحدث، أي كي نتحدث.

وقال ابن الأنباري:

- لعل تكون ترجياً.

- وتكون بمعنى: كي.

- وتكون ظناً، كقولك: لعلي أحج العام، معناه أظنني سأحج.

- وتكون بمعنى: عسى، تقول: لعل عبدالله أن يقوم، معناه عسى.

- وتكون بمعنى: الاستفهام، كقولك: لعلك تشتمني، فإنما قيل معناه: هل تشتمني.

وقال الإمام أبو إسحاق الثَّعلبيُّ المفسر في تفسيره المشهور عند ذكر تفسير قول الله تعالى: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}: في لعلّ ست لغات: لَعَلْ وعَلْ ولَعن وعَن ورَغَنّ ولَعَا، ولها ستة أوجه هي من الله تعالى واجبة ومن الناس على معان: تكون بمعنى الاستفهام، كقول القائل: لعلك فعلت ذلك مستفهماً، وتكون بمعنى الظن، يقول: قام فلان، فيقال: لعل ذلك بمعنى أظن وأرى ذلك، وتكون بمعنى الإيجاب بمعنى ما أخلقه، كقولك: وقد وجبت الصلاة، فيقال لعل ذلك، أي: ما أخلقه، وتكون بمعنى الترجي والتمني، كقولك: لعل الله تعالى أن يرزقني مالاً، وتكون بمعنى عسى يكون ما يراد، كقوله تعالى: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسْبَابَ}، وتكون بمعنى كي على الجزاء، كقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ}، أي: لكي يفقهون (52).

قلت: فهل بعد كلّ هذا يُوافق حلبي على قوله: إنها للترجي، والترجي هو توقع أمر ممكن، والتوقع نوع من أنواع الاحتمالات، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال كما يقول علماء الأصول؟!

فقول ابن مسعود لا يمكن أن يكون بمعنى الترجي والتمني الذي اختاره حلبي! وهو هنا بمعنى إما الاستفهام، أي: لعلك أخطأت ذلك مستفهماً، أو يكون بمعنى الظن، يقول: أظن وأرى أنك أخطأت وأصابوا.

ب- قال حلبي: "ثم هذا الاحتمال قسمه ابن مسعود إلى وجهين:

1 - نسيان أو خطأ حذيفة.

2 - حفظ أو صواب القوم المعتكفين.

فما هو المرجِّح لأحد هذين الاحتمالين؟

ليس من شكٍّ أن المرجح هو الحجة والدليل! فمن هو صاحب الحجة؟ أهو حذيفة الذي جزم بنسبة الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم دونما تردد أو شك؟ أم ابن مسعود الذي وضع احتمالات وتوقعات ليس فيها شيء نبوي مجزومٌ به؟!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015