آخر غير روايته عن ابن عيينة، اختار البخاري أطولهما وأجودهما فوضعها في بابها الخاص بالحسن، وأورد الأخرى في باب آخر عام في علامات النبوة، وهو أقل خصوصية عن الباب الأول، ثم رواية ابن عيينة مطولة بقصة طويلة، وهذا يرجح حفظه للحديث كما سلف.
ثم عاد البخاري فأورده في باب آخر أكثر خصوصية من علامات النبوة أيضا (فهو باب علامات النبوة يجوز لنا أن نقول بأنه قد أورده مقرونًا أو في شواهد الباب لما في الباب من أحاديث كثيرة في نفس المعنى، فليس مهما التدقيق في هذا الباب بخلاف باب الحسن الخاص بالحديث) أورده البخاري مرة أخرى في باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما 3746 عن صدقة عن ابن عيينة وفيه: عن الحسن سمع أبا بكرة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم.
وعاد البخاري فأورده أيضا في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي إن ابني هذا لسيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين 7109 - حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا إسرائيل أبو موسى ولقيته بالكوفة وجاء إلى ابن شبرمة فقال أدخلني على عيسى فأعظه فكأن ابن شبرمة خاف عليه فلم يفعل قال حدثنا الحسن. وفيه أيضا: قال الحسن ولقد سمعت أبا بكرة.
وهو في هذا الموضع في غاية الجودة لأمور: الأول: رواية ابن المديني له عن ابن عيينة، وهذا تصحيح منه للحديث إذا ما وضعناه بجواره قوله الذي نقله البخاري عنه سابقًا بأنه أثبت السماع بهذا الحديث. وثانيًا: الحديث في باب خاص به وفيه إثبات السماع ومن وجه ثالث عن سفيان. وثالثًا وهو أهمها: قول سفيان: حدثنا إسرائيل أبو موسى ولقيته بالكوفة ... إلخ يدل على يقظة سفيان للحديث، والعلماء يستدلون كثيرًا على صحة الحديث ويقظة الراوي بذِكْره لموضع التحديث أو تاريخه أو قصة جرت عنده ونحو هذا.
وهنا نكتة مهمة: ابن المديني من المؤكد أنه قال قوله في إثبات السماع عقب روايته للحديث، ولكن رواه البخاري عن ابن المديني ولم يذكر قوله عقبه، وإنما قدَّمه وذكره عقب رواية المسندي وهي أول رواية للبخاري في الحديث، وقد جرت العادة على التقعيد في أول مرة يرد فيها الحديث أو الراوي في أي كتاب والبناء عليه فيما بعدُ، وهذا يعني أن البخاري كان يقظًا لهذا الأمر قاصدًا له، وهذه إشارة بخارية (وهو مولع بالإشارات) إلى تصحيحه للسماع ومتابعته لابن المديني في ذلك.
وكذا ذَكَرَ قولَ ابن المدينيِّ في "التاريخ الكبير" (3/ 56)، و"الأوسط" (1/ 122/رواية زنجويه)، و (1/ 199/رواية الخفَّاف).
-وأما حديث حسين الجعفيّ؛ فرواه البخاري في "صحيحه" (3629) من طريق عبد الله بن محمد – هو المُسْنَديّ، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا حسين الجُعْفيّ، عن أبي موسى، عن الحسن، عن أبي بكرة، به.
وذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" (8/ 18) هذا الطريقَ فقال: "ورواه [يعني البخاريَّ] أيضًا في دلائل النبوة عن عبد الله بن محمد - وهو ابن أبي شيبة - ويحيى بن آدم، كلاهما عن حسين بن علي الجعفيّ، عن إسرائيل، عن الحسن - وهو البصريّ - به"اهـ. ولم يجزم محقق المصنف لابن أبي شيبة (طبعة محمد عوامة) بالمقصود وإنما احتمل أن يكون ابن أبي شيبة أو المسندي.
فوهمَ في قوله: إنَّ عبد الله بن محمد المذكورَ هو ابن أبي شيبة، وأنه رواه ويحيى بن آدم كلاهما عن الجُعْفي. وإنما رواه عن يحيى بن آدم عن الجعفيِّ كما تقدَّم.
أمَّا ابن أبي شيبة فرواه في "مصنَّفه" (32842) و (38517) – من دون واسطة - عن الحسين الجعفيّ، لكنَّه قال: عن أبي موسى، عن الحسن به مرسلاً.
ورواه من حديث الجُعْفيِّ مرسلاً كذلك: عبد الله بن أحمد في "العلل" (2966) من طريق أبي إسحاق إبراهيم بن زياد البغداديّ- المُلَقَّب سَبَلان – قال: حدثنا حسين الجعفيّ، قال: أخبرنا أبو موسى، عن الحسن، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، به.
وقال عبد الله عقبه (2967): "فقلتُ له [أي لأبي إسحاق]: إنَّ سفيانَ يقول: عن أبي بكرة؟ قال [أبو إسحاق]: لا واللهِ ما حَفِظَه، وأنا أَدْخَلتُ سفيانَ على أبي موسى، وكان نازلاً في هذه الدار".
¥