ثم أنه من المعلوم أن الحاكم هو الوحيد تقريباً الذي انتقد على الإمام مسلم إخراج حديث فضيل بن مرزوق في صحيحه، وقد مر بك ذلك من قوله .. والإمام مسلم ما أخرج له إلا في المتابعات فقط؛ وهذا لا يصح فيه أن يقال فيه: على شرط مسلم. فكيف ينتقده ثم يجعله على شرطه؛ فسقط هذا.
ومن تكلف وتشدق وتعسف واستنتج أن هذا القول راجعٌ إلى كون (أبو سلمة الجهني) هو (موسى بن عبد الله الجهني) فقد أبعد النجعة، وأخطأت أسته الحفرة .. فإنه إن بان سقوط جعل فضيل بن مرزوق على شرط مسلم = سقط جعل أبو سلمة الجهني على شرطه بناءً على استنتاجات بعيدة لا يصح تنزيلها تعسفاً هنا، فقط لمجرد أنه ورد ممن يروي عن القاسم!!
بل قد وجدت رواية موسى بن عبد الله هذا عن القاسم بن عبد الرحمن مما تفرد بها خليفة بن خياط وحده، والكلام عليه كثيرٌ واضح في ترك الاحتجاج بحديثه وخطأه فيه.
وروى الدولابي في الكنى عن العباس بن محمد، عن ابن معين؛ قال: (الحديث الَّذِي يرويه مُحَمَّد بْن زيد الواسطي، عَنْ أَبِي سَلَمَة صاحب الطعام، عَنْ جَابِر بْن يزيد = ليس هذا أَبُو سَلَمَة البتي، ولا هُوَ أَبُو سَلَمَة البري، هُوَ رَجُل آخر. وأبو سَلَمَة الحمصي سُلَيْمَان بْن سليم، وهو ثقة.
وقال: أَبُو سَلَمَة الجهني؛ أراه مُوسَى الجهني).
فقد يأخذ من هذا آخذٍ أن ابن معين أيد كونه موسى الجهني الذي روى له مسلم.
وأقول: هذا غير صحيح، بل الكلام غير دقيقٍ ولا محددٍ في التعيين لأبي سلمة هذا عند ابن معين، فقد يكون خالداً، وقد يكون غيره ممن يقال فيه أبو سلمة .. فكوني أعتمد على هذا النقل المعمى في تحديد شخصية أبو سلمة الجهني معنا = مجازفةٌ لا تسلم من تعجل قادح.
كيف وأكثر من ترجم لموسى بن عبد الله الجهني قد كناه بأبي عبد الله، بل يكادون يتفقون في هذا، ويذكرون كنية أبو سلمة بصيغة التمريض؛ ويقال.
[القاسم بن عبد الرحمن]: ثقة من صالح المسلمين.
[عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود]: ثقة.
لكن روايته عن أبيه الصحيح الصواب الذي قاله أكثر أهل العلم واعتمدوه ودللوا له = أنه لم يسمع من أبيه السماع المعتبر المضطرد. بيان ذلك:
_ قال الحاكم نفسه: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فِي أَكْثَرِ الأَقَاوِيلِ).
ثم قال أخرى: (اتفق مشايخ أهل الحديث أنه لم يسمع من أبيه).
_ وقال ابن عبد البر بعد أن روى حديثاً من طريقه: (وهذا لا يتصل؛ لأن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يختلفوا أنه لم يسمع من أبيه).
_ وقال ابن حزم: (وأما ما روي في ذلك عن علي وابن مسعود فباطل لا يصح؛ لأن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود كان لأبيه إذ مات عبد الله رضي الله عنه ست سنين فكيف ابنه).
وقال أخرى لما روى حديثاً من طريقه: (وهذا مرسل عنه؛ لأنه عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن عمر. ولم يولد والد القاسم إلا بعد موت عمر).
_ قال يحيى بن سعيد القطان: مات أبوه وله نحو ست سنين.
_ وقال ابن معين في رواية: لم يسمع من أبيه.
_ وقال النسائي: (أَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ شَيْئًا، وَلَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ).
_ وقال المنذري بعد قول الحاكم: إن سلم من الإرسال؛ قال: (لم يسلم، عبد الرحمن لم يسمع من أبيه).
_ وقال البخاري: (قال شعبة: لم يسمع عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود من أبيه، وحديث ابن خثيم أولى عندي).
_ وجعل المزي روايته عن أبيه مرسلة.
_ وقال ابن المديني: (لقي أباه وسمع منه حديثين حديث الضب وحديث تأخير الصلاة).
_ وقال العجلي: يقال إنه لم يسمع من أبيه الا حرفا واحد: (فحرم الحلال لمستحل الحرام).
_ قال ابن حجر: (قلت: فعلى هذا _ أي: لما أن حصر الروايات _ يكون الذي صرح فيه بالسماع من أبيه أربعة أحدها موقوف، وحديثه عنه كثير، ففي السنن خمسة عشر، وفي المسند زيادة على ذلك سبعة أحاديث معظمها بالعنعنة، وهذا هو التدليس. والله أعلم).
فلذلك قال في التفريب معطياً عليه خلاصة حكمه: (وقد سمع من أبيه لكن شيئا يسيرا).
_ وقال قبله الذهبي عصارة رأيه فيه؛ فقال: (تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَلَهُ سِتُّ سِنِينَ، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ أَبِيهِ شَيْئًا).
¥