(أ) اعتقاده أن هذا الخروج الذى حصل من هذه الأمم هو المقصود فى قوله تعالى (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون)، وكذا هو المقصود فى الأحاديث الصحيحة ومادام ذلك قد تحقق فى هذا العصر فيلزم تأويل هذه النصوص لتكون مطابقة للواقع، والصحيح أن خروجهم وانبعاثهم وانفتاحهم الأخير على أهل الأرض لم يقع بعد بل وقوعه قبل قيام الساعة وهو من علاماتها ولن يكون حينئذ حضارة مادية كما هو حاصل فى هذا العصر بل سيكون حالهم كما وصفه النبى صلى الله عليه وسلم فى الأحاديث الصحيحة0

(ب) اعتقاده أن السبب المانع لهم عن الخروج هو السد ومادام قد ثبت بالحس والمشاهدة أن السدود والجبال لم تعد مانعة وحاجزة بين الأمم والشعوب فى هذا العصر فيعلم منه أن السد قد انهدم ومن ثم حصل الخروج وعليه تأول النصوص لتطابق الواقع والصحيح أنه لا تلازم بين انهدام السد وخروجهم الأخير بل ثبت فى الصحيح أنهم يقاتلون المسلمين قبل ذلك كما سبق تفصيله0

وبناء على ماتقدم ذكره من:

(1) عدم سماع قتادة من أبى رافع، بل وعدم لقياه له، كما نص عليه شعبة، ومِنْ نصَ الأئمة على انقطاع هذا الإسناد وهم الإمام أحمد ويحي بن معين وأبو داود وأبو بكر الأثرم من المتقدمين، والمنذري والعلائي وابن رجب من المتأخرين 0

(2) وأنّ من صحح هذا الإسناد إمّا أنّه مشى على ظاهر ماوقع له من أسانيد فيها تصريح بالسماع، وتساهل فى قبولها، كما فعل الترمذي وابن حبان، أو أخرج هذا الإسناد لوجود المتابعات والقرائن، واحتمل مافيه من انقطاع لذلك كما فعل البخاري 0

(3) وقد ثبت أن ماوقع من تصريح بالسماع بين قتادة وأبى رافع ماهى إلاّ أوهام أو تصحيفات كما سبق تفصيله 0

(4) وأن قتادة مدلس، وقد رواه بالعنعنة، وضبط عنه بعض الحفاظ صيغة (حدّث أبو رافع) 0

(5) وهذه الصيغة نص شعبة على أنّ قتادة يستخدمها فيما لم يسمع من الحديث، وإن كان عن شيوخه الذين سمع منهم، واتفق أهل الفنّ على أن هذه الصيغة محمولة على الانقطاع فى روايات المدلسين، وقتادة من مشاهيرهم 0

(6) وقد خولف أبو رافع فى إسناده فرواه من هو احفظ وأعلم وأثبت فى أبى هريرة منه، فرواه موقوفا من قول أبى هريرة رضى الله عنه 0

(7) وقد جاء هذا الحديث عن كعب الأحبار من قصصه وإسرائيلياته كما رواه أبو هريرة، لم يخرم منه حرفاً مع طوله 0

(8) وثبت أن كعب الأحبار كان يحدث بالقصص عن كتب بنى إسرائيل فى عصر الصحابة، وكان بعض الصحابة يأخذ عنه هذه القصص يحدَّث بها الناس، لما علم من إذن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك حيث قال: (وحدَّثوا عن بنى اسرائيل ولاحرج) 0

(9) كما ثبت أن أبا هريرة كان يأخذ عن كعب الأحبار بعض هذه القصص فيحدث بها الناس 0

(10) وكذلك ثبت أن بعض الرواة عن أبى هريرة يهم فى حديث أبى هريرة فيجعل حديثه عن كعب مرفوعاً إلى النبى صلى الله عليه وسلم 0

(11) وأن هذا الحديث بهذا اللفظ مصادم لظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة 0

(12) كما أنه مصادم للأدلة الحسية والأدلة العقلية 0

كل ذلك يجعل من الحكم لهذا الحديث بالصحة حكما غير صحيح، بل هو حديث باطل لا أصل له مرفوعا، وإنما هو موقوف على أبى هريرة رضى الله عنه أخذه عن كعب الأحبار مما يقصه من اسرائيلياته التى اشتهر بها. بل ان بعض هذه العلل كاف واحدة للحكم على هذا الحديث بهذا الحكم فما بالك اذا اجتمعت كلها في حديث واحد وانظر ما كتبه العلامة المعلمي في مقدمة تحقيقة للفوائد المجموعة (ص/ 11)

وهذا الحكم إنما هو مأخوذ من نص الأئمة، والذين نصوا على انقطاع هذا الإسناد، وهم الحكم فى معرفة صحيح الحديث من سقيمه، ومأخوذ من قواعدهم التى أصَّلوها، وأصولهم التى قعدوها، لمعرفة الأحاديث الصحيحة من الموضوعة والضعيفة 0

وقد سبق الترمذي إلى استغراب هذا الحديث من هذا الوجه، وأنكر رفعه الحافظ ابن كثير، ونقل فى البداية (2/ 103) عن بعضهم أنّ رفعه غير محفوظ 0

فلم ابتدع هذا الحكم غير أنّ ما أجمله هؤلاء الأئمة، اجتهدت فى تفصيله وتوضيحه ليعلم القارئ الكريم أن أئمتنا الحفاظ رحمهم الله تعالى لم يتركوا لقائل أن يقول فى هذا العلم بهواه، بل سبق منهم الحكم على أفراد كثيرة، وما لم يحكموا عليه: وضعوا القواعد لمن بعدهم ليتوصلوا إلى الحكم الصحيح فيه، فما لم يكن لهم فيه نص، قيس ما كان مثله عليه، وليس للأهواء مدخل فى هذا العلم الشريف، وإنما هى الأدلة والبراهين، فمن أقامها، لزم قبول قوله، وإلا ردَّت إليه بضاعته، وكان اتباع من مضى أولى من متابعتة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015