وقال ابن القيم (قد قيل إن هذا في قضية خاصة حين ساروا إلى بني قريضة قال (لا تبدؤوهم بالسلام) فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقا؟ أم يختص بمن حاله مثل حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه) والظاهر أن هذا حكم عام، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك فقال أكثرهم:لا يبدؤون بالسلام وذهب آخرون إلى جواز ابتدائهم كما يرد عليهم، روي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز وهو وجه في مذهب الشافعي رحمه الله لكن صاحب هذا الوجه قال:يقال له: السلام عليك فقط بدون ذكر الرحمة وبلفظ الإفراد:وقالت: طائفة:يجوز الابتداء لمصلحة راجحة من حاجه تكون له إليه أو خوف من أذاه أو لقرابة بينهما أو لسبب يقتضي ذلك، يروى ذلك عن إبراهيم النخعي وعلقمة وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد ترك الصالحون. واختلفوا في وجوب الرد عليهم فالجمهور على وجوبه وهو الصواب، وقالت طائفة:لا يجب الرد عليهم كما لا يجب على أهل البدع وأولى، والصواب الأول والفرق أنا مأمورون بهجر أهل البدع تعزيرا لهم وتحذيرا منهم بخلاف أهل الذمة) ([108]) انتهى كلامه.

وما ذكره إسحاق ابن راهويه وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم في بيان سبب ورود الحديث هو الصحيح الذي تشهد له الروايات الصحيحة.

وقد بوب البخاري باب (التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين) وأخرج فيه حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب يعود سعد بن عبادة بعد غزوة بدر وأنه (مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفيهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول أيها المرء لا أحسن من هذا إن كان ما تقول حقا، فلا تؤذنا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه). ([109])

ورواه البيهقي بلفظ (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين واليهود والمشركين عبدة الأوثان فسلم عليهم أجمعين) قال البيهقي أخرجاه في الصحيح. ([110])

وهو في مصنف عبد الرزاق دون قوله (أجمعين). ([111])

وهذه سنة فعلية تؤكد عموم الآيات القرآنية ومشروعية ابتداء غير المسلمين بالسلام، والقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصد بالسلام المسلمين منهم فقط فيه نظر، وهو تكلف لا يؤيده ظاهر الحديث، إذ الظاهر أن المجلس كان لعبد الله بن أبي بن سلول، وهو رأسهم ورئيسهم، وهم الأكثر فيه، وفي وقوف النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ودعوتهم للإسلام وقراءة القرآن أوضح دليل على أنه إنما وقف وسلم عليهم ليدعوهم للإسلام لا ليجلس معهم، وكل من تكلفوا الجمع والتأويل إنما حملهم على ذلك حديث سهيل عن أبيه (لا تبدؤوا المشركين بالسلام). ([112])

ويشهد لهذه السنة الفعلية أيضا حديث أبي هريرة في الصحيحين قال الله يا آدم (اذهب فسلم على أولئك النفر، وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يجيبونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، قال فذهب فقال: السلام عليكم! فقالوا السلام عليك ورحمة الله! قال فزادوه ورحمة الله). ([113])

فهذا صريح في كون هذه التحية عامة، تحية آدم وذريته من بعده، يحيي بها بنو آدم بعضهم بعضا.

فكل ما سبق ذكره من أدلة قرآنية وأحاديث نبوية صحيحة مشهورة ترجح ما ذهب إليه أبو أمامة الباهلي وعبد الله بن مسعود وفضالة بن عبيد وأبو الدرداء وابن عباس رضي الله عنهم ومن قال بقولهم في جواز ابتداء غير المسلمين بالسلام، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة اللهم ما يروى عن:

1 ـ ابن عمر أنه (مر بنصراني فسلم عليه فرد عليه فأخبر أنه نصراني فلما علم رجع إليه فقال رد علي سلامي) ([114])، قال الشيخ الألباني (رجاله ثقات غير عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان مجهول الحال، وله شاهد من حديث عقبة بن عامر الجهني). ([115])

ولفظه عند البيهقي من طريق ابن وهب عن السري بن يحيى (فقال رد علي سلامي قال له نعم! لقد رددته عليك قال ابن عمر أكثر الله مالك و ولدك).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015