وعلى كل فالحديث غريب لا يثبت إلا من طريق مجالد عن الشعبي وهذا إسناد ضعيف، وإنما الذي يثبت عن الشعبي هو ما رواه النسائي [322] عن محمد بن قدامة ثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال قالت فاطمة بنت قيس قال النبي e: (( إنه لم يكن نبي قبلي إلا حذر أمته الدجال وإنه فيكم أيتها الأمة وإنه يطأ الأرض كلها غير طيبة هذه طيبة)) هكذا مختصرا.

وجرير هو ابن عبد الحميد الضبي ومغيرة هو ابن مقسم من ثقات أصحاب الشعبي وهذا إسناد على شرط البخاري ومسلم.

وتابعه على روايته هذه ابن أبي خيثمة الحافظ [323] عن أبي نعيم الفضل بن دكين الحافظ قال ثنا محمد بن أبي أيوب ثنا الشعبي عن فاطمة قالت: خرج رسول الله e يوماً فجلس على المنبر فقال: ((هذه طيبة ـ يعني المدينة ـ لا يدخلها الدجال ليس منها نقب إلا عليه ملك شاهر السيف)).

وهذا هو الحديث الذي صححه البخاري لها، قال الترمذي (سألت محمدا عن هذا الحديث يعني حديث الجساسة؟ فقال يرويه الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة ابنة قيس. قال محمد وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديث صحيح). [324]

فهذا القدر من حديثها هو المحفوظ وله شواهد كثيرة عن الصحابة وهذا هو الذي قاله e في خطبته المشهورة، وأما قصة تميم الداري فلا تثبت إلا من طريق مجالد ويحتمل أنه سمعها من الشعبي يحدث بها عن تميم ـ كما يتحدث بها أهل الشام ـ بعد أن ذكر حديث فاطمة فظن مجالد أنهما حديثاً واحداً أو يحتمل أن فاطمة قصت على الشعبي ما سمعته من تميم يعظ الناس به بعد وفاة النبي e فأخطأ مجالد، وظن أن ذلك حدث في حياة النبي e. والله تعالى أعلم.

نتائج البحث

وهي تتلخص في:

1ـ حديث الجساسة هو حديث مجالد عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، وهو أشهر من رواه عن الشعبي، حيث رواه عنه أئمة الأمصار في العراق والحجاز قبل أن يعرف عن غيره، حتى رواه عنه أعلم الناس بحديث الشعبي وأثبتهم وأحفظهم له وهو إسماعيل بن أبي خالد، ولهذا لم يخرجه ابن أبي شيبة في المصنف إلا من طريقه، مع أنه أوسع كتاب حديثي كوفي وصل إلينا، وابن أبي شيبة كوفي والشعبي كوفي! ومجالد ضعيف جدا وقد كان يرفع أحاديث كثيرة لا يرفعها غيره حتى بطل الاحتجاج به، وهذا الحديث الذي اشتهر عنه ودلسه عنه الآخرون لا يبعد أن يكون سمعه من الشعبي موقوفا من قصص تميم الداري فوهم ورفعها.

2 ـ أنه ومن خلال استعراض طبقات أصحاب الشعبي لم يروه منهم على الصحيح إلا مجالد وداود بن أبي هند، ولهذا لم يجد أحمد حين خرجه في مسنده ـ الذي انتقاه من سبعمائة ألف رواية ـ إلا طريق مجالد بن سعيد وداود بن أبي هند، ورواه النسائي في الكبرى من طريق داود فقط، ورواه ابن ماجه من طريق مجالد فقط، ورواه أبو داود من طريق مجالد وابن بريدة، ورواه الترمذي من طريق قتادة فقط وقال غريب من حديث قتادة عن الشعبي، وأراد مسلم تخريجه في صحيحه فلم يجده عند أحد من أصحاب الشعبي إلا عند مجالد وهو متروك، وعند داود إلا أنه عن حماد بن سلمة عنه، ولم يخرج بهذا الإسناد إلا ما توبع عليه حماد لضعف حديثه عن داود، فلما لم يجد له متابعا تركه، ثم أخرج الحديث من أربعة طرق أخرى ثلاثة بصرية وواحد مدني ليس أحد من رواتها كوفي ولا من طبقات أصحاب الشعبي!

3 ـ أنه ثبت أن داود رواه بالعنعنة وهو مدلس كما أن المشهور عنه رواية حماد بن سلمة وهي ضعيفة، كما أن رواية قتادة منقطعة إذ لم يسمع قتادة من الشعبي شيئا أصلا وكذلك لم يصرح بالسماع وهو مشهور بالتدليس، وأن رواية عبد الله بن بريدة التي جعلها مسلم أصلا في الباب ضعيفة لضعف عبد الله واضطرابه في روايته تارة يرويه عن يحيى بن يعمر عن فاطمة وتارة عن الشعبي عن فاطمة وتارة عن أبيه، وهو مدلس أيضا، وأما باقي المتابعات التي أخرجها مسلم فهي أشد ضعفا وكلها غرائب ومناكير تفرد بها رواتها، فرواية أبي الزناد لم يروها غير ابن بكير عن الحزامي عن أبي الزناد وهذا إسناد فيه ضعف مع غرابته، وكذا رواية قرة بن خالد عن سيار عن الشعبي لا يثبت فيها السماع بين سيار والشعبي، ورواية غيلان لم يروها عنه غير جرير بن حازم وعنه ابنه وهب فهي غريبة مع ضعف في جرير لكثرة خطئه وقد قال في روايته (سمعت غيلان يحدث عن الشعبي) فليس فيها تصريح بالسماع.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015