فيبدوا أنه كاهن يخيل إليه أنه المسيح فلذا حبسه النصارى في دير ناء في جزيرة بعيدة لتجديفه.

ثالثا: الاختلاف في ما قاله النبي e بعدما سمع هذه القصة:

ففي رواية ابن بريدة عند مسلم أن النبي e قال: ((هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة)) يعني المدينة ثم قال: ((ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟)) فقال الناس نعم فقال: ((فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة .. )).

قال النبي e ذلك بعد أن سمع ما رواه تميم عن الرجل أنه قال: ((فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرمتان علي كلتاهما كلما أردت أن أدخل واحدة استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدني عنها وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها)) عندها قال النبي e: (( هذه طيبة… إلخ)).

وفي رواية غيلان بن جرير أن النبي e قال بعد سماع هذه القصة قال: ((هذه طيبة، وذاك الدجال)).

وفي رواية محمد بن أبي أيوب: ((وكأنه سر رسول الله e من ذلك قوله: مكة وطيبة. فقال رسول الله e: طيبة، طيبة لا يدخلها الدجال…)).

وفي رواية مجالد: ((فقال رسول الله e: إن هذا مما أفرحني إن طيبة هي المدينة إن الله حرم حرمي على الدجال…)).

وفي رواية أبي الزناد كما عند الطبراني أن النبي e لم يقل سوى ((هذه طيبة)) وهكذا رواه سيار العنزي عند مسلم.

وفي رواية داود بن أبي هند أن النبي e قال بعد قصة تميم: ((أبشروا هذه طيبة لا يدخلها الدجال)).

وكل الروايات متفقة على نحو هذا اللفظ ولم يقل أحد كما قال غيلان في روايته: ((ذاك الدجال)) ولم أجد من تابعه على هذا اللفظ.

وليس في الروايات إلا أن النبي e فرح لأن ما ذكره تميم الداري ـ وهو رجل نصراني ثم أسلم ـ في هذه القصة يوافق ما كان النبي e يحدث به الصحابة من أن الدجال لا يدخل طيبة وأن على كل طريق منها ملكاً يحميها منه، ولم يقل e بأن هذه القصة التي قصها تميم هي صدق بل قال لهم: ((أخبرني تميم)) ولم يعلق على ما قاله تميم إلا في هذا الموضع عندما ذكر طيبة.

فزيادة ((ذاك الدجال)) وهمٌ من وهب بن جرير الراوي لهذا الحديث بهذا اللفظ عن أبيه عن غيلان بن جرير فقد ذكره ابن عدي [301] وذكر كلام ابن مهدي وعفان بن مسلم فيه وساق له حديثين أنكرهما، وكذا ذكره العقيلي [302] أو يكون الوهم من أبيه جرير بن حازم فقد قال عنه ابن حبان: (كان يخطىء لأن أكثر ما كان يحدث من حفظه). [303]

وقال عنه أحمد: (كثير الغلط) [304] وتكلم في حفظه مسلم في التمييز [305] ولم يقبل منه رفع حديث رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، لأنه إذا حدث عنه لا يكاد يأتي به على التقويم والاستقامة.

ومما يؤكد ذلك أن الصحابة ـ على فرض صحة هذا الحديث ـ لم يشكل على أحد منهم أن ذلك الرجل الذي في الدير ليس هو الدجال المعروف، وإلا لما ظنوا أن ابن صياد هو الدجال، فيكون قد ظهر لهم أن هذا الذي كان في الدير ما هو إلا دجال وواحد من الدجاجلة الذين يتكهنون ويشعوذون ويدعون ما لا يكون، إلا أنه عنده علم من الكتاب، ولهذا علم أن الدجال لا يدخل طيبة فأخبر القوم بذلك.

فلو كان لفظ رواية غيلان: (وذلك الدجال) صحيحاً لما اختلف الصحابة في شأن ابن صياد إذ أن هذا اللفظ نص في محل الخلاف فكيف يخفى على الصحابة الذين حضروا هذه الخطبة؟!

المبحث السابع: الأدلة النقلية والعقلية المعارضة لحديث فاطمة:

إذا كان ما سبق بيانه مشكلات تثير الشك حول ثبوت الحديث سنداً فإن في المتن ما هو أشد إشكالاً وإثارة للشك ومن ذلك:-

أولا: أن فيه ما يصادم قطعي القرآن وصحيح السنة وصريح العقل والحس من أن بشراً من ذرية آدم يظل موجوداً من قبل بعثة النبي e إلى آخر الدنيا وقبل يوم القيامة.

أما القرآن فقوله تعالى: {وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون}. [306]

ففي الآية دليل قطعي على أن الله عز وجل لم يجعل الخلد لبشر سواء كان قبل النبي e أو بعده والخلود هو اللبث الطويل وكل لبث تجاوز المعهود فهو خلود قال الراغب: (كقولهم للأثافي خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها) [307] ولا ريب أن بقاء الدجال ـ وهو من ذرية آدم ـ في الحياة طوال هذه المدة وإلى ما قبل قيام الساعة هو من الخلود الذي نفاه القرآن.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015