وقال أيضاً: (والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم ولهذا لا يتفقان على حديث إلا ويكون صحيحاً لا ريب فيه قد اتفق أهل العلم على صحته ثم ينفرد مسلم فيه بألفاظ يعرض عنها البخاري…) [297] وقد ذكر قبل ذلك أحاديث خرجها مسلم وهي غير صحيحه حيث ذكر حديث مسلم [298]: (إن الله خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم يوم الجمعة) ثم قال: (فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن معين ومثل البخاري وغيرهما وذكر البخاري أن هذا من كلام كعب الأحبار… وهذا هو الصواب لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام…) [299] وكذا قال نحو هذا في مجموع الفتاوى [300] عن حذق البخاري وقصور مسلم عن درجته.

والمقصود أن ما استظهره الحافظ ابن حجر ـ من أن تنكب البخاري عن إخراج حديث فاطمة بنت قيس مع شهرته إنما هو ترجيح منه للأحاديث الأخرى ـ هو استظهار صحيح لأن صحة الإسناد لا تكفي لإخراجه ما دام معارضاً بأحاديث أصح ولا يمكن الجمع بينها.

المبحث السادس: في ما في ألفاظ الحديث من الاختلاف:

ثم إنه على فرض ثبوت هذا الحديث وأن فاطمة لم تهم فيه ولم تخلط بين ما سمعته من النبي e وما سمعته بعد ذلك من قصص تميم فإن في اللفظ نفسه اختلافاً شديداً ومن ذلك:

أولا: الاختلاف في صاحب القصة ومن لقي الجساسة والدجال:

ففي رواية ابن بريدة عند مسلم: أن تميماً كان مع قومه ثلاثين رجلاً من لخم وجذام في سفينة فلعب بهم الموج شهراً…إلخ.

وفي رواية سيّار العنزي عند مسلم: إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر…إلخ.

وفي رواية غيلان عند مسلم: أن تميماً ركب البحر فتاهت به سفينته … إلخ.

وفي رواية محمد بن أبي أيوب عند الطبراني أن النبي e قال: ((أن تميم الداري أخبرني أن بني عم له ألقتهم سفينة في البحر …إلخ)) وكذا في رواية محمد بن فضيل عن الشيباني ورواية مجالد وأبي الزناد.

وفي رواية داود بن أبي هند: ((لكن تميم الداري أخبرني أن قوماً من أهل فلسطين ركبوا البحر…إلخ)).

وهذا اختلاف شديد فتارة: تميم هو صاحب القصة، وتارة: هو وقومه، وتارة: قومه، وتارة: قوم من أهل فلسطين.

والظاهر من مجموع الروايات أن تميماً إنما يحكي قصة عن جماعة من أهل الشام، ولم يكن هو معهم ويحتمل أنهم من قومه الذين عاصرهم وأدركهم، أو من قومه الذين لم يعاصرهم وإنما بلغه خبرهم وقصتهم.

هذا ويحتمل أنهم ليسوا من بني عمه على الحقيقة بل على سبيل المجاز والاتساع لأنهم من قبيلته، فيصدق عليهم أنهم من بني عمه، ويحتمل أن المقصود بقومه أي أهل الشام إذ أنه من عرب الشام فيصدق على من كان فيها من العرب أنهم قومه.

وعلى كل فتميم إنما يحكي قصة قوم من العرب النصارى من أهل فلسطين.

ثانيا: الاختلاف في وصف ما رأى أهل السفينة:-

ففي رواية ابن بريدة: ((فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر)) وأنها قالت لهم: ((انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير… فإذا فيه أعظم إنسان)).

وفي رواية غيلان: ((فلقي إنساناً يجر شعره)).

وفي رواية ابن أبي أيوب: ((فلقوا شيئاً لا يدرون رجلاً هو أو امرأة .. وأشارت إلى دير في الجزيرة غير بعيد… فإذا برجل موثوق)).

وفي رواية أبي الزناد كما عند الطبراني ((فإذا هم بامرأة شعثة سوداء لها شعر منكر قالت فادخلوا القصر فدخلوا فإذا شيخ مربوط)).

وفي رواية ابن بريدة عند ابن حبان: ((فلقيتنا جارية تجر شعرها)).

ففي بعض هذه الروايات أنهم رأوا دابة، وفي بعضها أنهم رأوا إنساناً، وفي بعضها أنها كانت امرأة أو جارية.

ثم إنها أشارت عليهم أن يذهبوا إلى دير أو قصر. والراجح أنه دير كما في أكثر الروايات.

ثم إنهم وجدوا في الدير رجلاً أو شيخاً كبيراً موثق بالحديد، والظاهر أنه كاهن مشعوذ محبوس في دير نصراني لتجديفه وكهانته، إلا أن أسئلته التي وجهها لهم تدل على أن عنده علم من الكتاب ومن ذلك قوله: (أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا قد خرج من مكة ونزل يثرب… فقال: أما إنه خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني إني أنا المسيح وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض … إلخ) وفي رواية داود بن أبي هند أنه قال: (أنا الدجال).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015