إنَّه أبو عبيدٍ نفسُه، وهذا يتبيَّن من سَوْق النَّصِّ بأبسطَ [1] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftn1) ممَّا هنا، من المصدر الذي ينقل عنه ابن حجر نفسُه، ألا وهو كتاب "المرْشد الوجيز" لأبي شامة [2] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftn2).

قال الإمام أبو شامة - رحِمه الله -:

"وقد ذكر الإمام أبو عُبيْدٍ في أوَّل كتابه في القراءات ما يُعرِّفُك كيف كان هذا الشَّأن من أوَّل الإسلام إلى آخِر ما ذكرَه.

فذكر القرَّاء من الصَّحابة على ما سبقَ ذِكْرُه في آخِر الباب الأوَّل، ثم قال بعد ذكر التَّابعين: "فهؤلاء الَّذين سمَّيْنا من الصَّحابة والتَّابعين، وهُم الَّذين يُحكى عنهم عُظْمُ القِراءة، وإن كان الغالب عليهِم الفقْه والحديث".

قال: "ثمَّ قام مِن بعدِهم بالقُرآن قوم، ليستْ لهم أسنانُ مَن ذكرْنا ولا قِدَمُهم، غير أنَّهم تجرَّدوا في القراءة، فاشتدَّت بها عنايتُهم، ولها طلبُهم، حتَّى صاروا بذلك أئمَّة يأخذُها النَّاس عنْهم ويقتَدون بهم فيها، وهم خَمسةَ عشر رجلاً من هذه الأمْصار، في كلٍّ مصرٍ منهم ثلاثةُ رجال:

فكان من قرَّاء المدينة: أبو جعفرٍ، ثمَّ شيبة بن نصاح، ثمَّ نافع، وإليه صارتْ قراءةُ أهل المدينة.

وكان من قرَّاء مكَّة: عبد الله بن كثير، وحُميد بن قيس الأعْرج، ومحمَّد بن محيصِن، وأقدمُهم ابن كثير، وإليْه صارت قراءة أهل مكَّة أو أكثرهم.

وكان من قرَّاء الكوفة: يَحيى بن وثَّاب، وعاصمٌ، والأعمش، ثمَّ تلاهم حمزةُ رابعًا، وهو الَّذي صار عُظْم أهلِ الكوفة إلى قراءتِه من غير أن يطْبِقَ عليه جماعتهم.

وأمَّا الكسائي فإنَّه يتخيَّر القراءات، فأخذ من قِراءة حمزة بعضًا وترك بعضًا.

وكان من قرَّاء البصرة: عبد الله بن أبي إسْحاق، وأبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، والَّذي صار إليْه أهل البصرة في القراءة، واتَّخذوه إمامًا: أبو عمرو، وقد كان لهم رابعًا [3] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftn3)، وهو عاصم الجحدري، غير أنَّه لم يُرْوَ عنْه في الكثْرة ما رُوِي عن هؤلاء الثَّلاثة.

وكان من قرَّاء الشَّام: عبد الله بن عامر، ويَحيى بن الحارث الذِّماري، وثالثٌ، قد سُمِّي لي بالشَّام ونسِيتُ اسمَه، فهؤلاء قرَّاء الأمْصار الَّذين كانوا من التَّابعين".

قلتُ [4] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftn4): الَّذي نسِيه أبو عبيْدٍ، قيل: هو خُلَيد بن سعدٍ صاحب أبي الدَّرداء، وعندي أنَّه عطيَّة بن قيس الكلابي أو إسْماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر؛ فإنَّ كلَّ واحد منهما كان قارئًا للجُنْد، وكان عطيَّة بن قيْس تصلح المصاحف على قراءتِه بدمشْق على ما نقلْناه في ترجمتِهما في التَّاريخ.

ثمَّ إنَّ القرَّاء بعد هؤلاء كثُروا، وتفرَّقوا في البلاد، وانتشروا، وخلَفَهم أممٌ بعد أُمَم، عُرِفَت طبقاتُهم واختلفتْ صفاتُهم، فمِنهم المحْكم للتِّلاوة المعروف بالرِّواية والدِّراية، ومنهم المقتصِر على وصْفٍ من هذه الأوصاف، وكثُر سبب [5] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftn5) ذلك بينهم الاختِلاف، وقلَّ الضَّبط، واتَّسع الخرْق، والتَبَس الباطل بالحقِّ، فميَّز جهابذةُ العلماء ذلك بتصانيفِهم، وحرَّروه وضبطوه في تواليفِهم على ما سيأْتي شرحُه في الباب الخامس، إن شاء الله تعالى" انتهى النقْل عن الإمام أبي شامة [6] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftn6).

- فواضحٌ جدًّا أنَّ هذا النَّصَّ الذي ينقل منه الإمام ابن حجر - رحمه الله - لا يُفيد عددَ القرَّاء الذين اختارهم أبو عُبيد في كتابه، وذَكَر أوجُه الخلاف بيْنهم، بل غاية ما هنالك أنَّ هؤلاء المذكورين هم من أئمَّة القراءة الَّذين اشتدَّت عنايتُهم بها، وأخَذَها النَّاس عنهم، وواضحٌ أنَّ أبا عبيدٍ عدَّد هنا أكثر من خمسة عشر إمامًا، ولم يُرِد أنَّه سيذكر في كتابه أوجُه الخلاف لهم.

- كما أنَّه - رحمه الله - نسي اسم أحد قرَّاء الشَّام، فكيف يكون هذا القارئ من القرَّاء الذين أسْند قراءتَهم، وذكَرَ أوجُه الخلاف له في كتابه؟!

- وكيف يدور شكُّ الَّذين اطَّلعوا على كتاب أبي عُبيد في تعْيين ذلك القارِئِ بين ثلاثة: خُلَيد بن سعدٍ صاحب أبي الدَّرداء، وعطيَّة بن قيس الكلابي وإسْماعيل بن عبيدالله بن أبي المهاجر؟! فهل تكون قراءة هذا الرَّجُل مذكورة بعد هذا في الكتاب؟!

[1] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftnref1)- أي: بأوسع.

[2] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftnref2)- صرح ابن حجر في الفقرة التي قبل هذا النص أنه ينقل من أبي شامة فقال: وقال أبو شامة: لم يرد ابن مجاهد ما نسب إليه ..... إلخ.

[3] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftnref3)- كذا، والصواب: رابع.

[4] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftnref4)- أي: الإمام أبو شامة.

[5] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftnref5)- لعلَّها: بسبب.

[6] ( http://majles.alukah.net/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=329617#_ftnref6)- المرشد الوجيز 128، 129.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015