فتجدد الدلالات وتطورها وتغيرها على مرِّ الزمن سنَّةُ الله في كلِّ لغة، وكلِّ لسان، فلا مشاحةَ فيه، ولكنَّ المحذور هوأن نُفَسِّرَ آياتِ القرآنِ الكريمِ ونصوصَ السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، وكذلك نصوصَ الأوَّلين وأقوالَهم، وما أُثِرَ عنهم من شعرٍ أو نثرٍ أوخُطَبٍ، بما جدَّ عندنا وتبدَّلَ من معاني هذه الألفاظِ ولوازمِها، كأن نُفَسِّرَ قولَه تعالى ?وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ? (يونس:61) بأنَّ المقصودَ به هو الذَّرَّةُ المعروفةُ في العِلمِ التجريبيِّ أو العلمِ الحديثِ، أو أن نفسرَ قولَه تعالى ?وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ? (الأنعام:38) بأنَّ المقصودَ بها الطيورُ الحيوانيةُ والطائراتُ المعروفةُ الآن، وأنها كلَّها حيوانَها وحديدَها أممٌ أمثالُنا، وأن نزعم أن التصعد في السماء الوارد في الآية فيه إشارة إلى نقصان الأكسجين، وأن نزعم مثلاً أن الشاعر إذ يقول:

أدميت باللحظات وجنته ... فاقتص ناظره من القلب

إنما يشير إلى ازدياد ضخ الدم إلى الوجنتين عند الخجل، وأن العرب عندما قالت في وصف الصانع الحاذق: إن له عليها إصبعاً، إنما أشاروا إلى حقيقة البصمات التي تختلف بين بني البشر ... إلخ. فهذا كلُّه من تحميل الكلامِ ما لا يحتمل، والذي هو ضرب من ضروب الهذيان الذي لا حظ من البلاغة وحسن الإفهام، وإنما الحقُّ أن نتَّبعَ في تفسيرِ هذه النصوصِ معهودَ أهلِ اللغةِ في ذلك العصرِ الذي نزل فيه القرآنُ، في معنى الذَّرَّةِ والسيَّارَةِ والطائرةِ، وعلى معهود الناس في الألفاظ ومعانيها في العصر الذي قيل فيه ذلك الشعر، أو ذلك المثل.

المقصودُ هنا أن نُقَرِّرَ أنَّ النصوصَ التي وردت في عصرٍ ما أيّاً كانت هذه النصوصُ، لا بدَّ أن تُفسَّرَ على معهودِ الناسِ في الألفاظِ ومعانيها ولوازمِها في ذلك العصرِ – فقط- لا بما يعهدُه الناسُ في معانيها في كلِّ عصرٍ، وإلاّ كان هذا ضرباً من ضروبِ الهذيانِ، وتحميلاً للألفاظِ وأقوالِ الناسِ، وما أُثِرَ عنهم من شعرٍ أو نثرٍ ما لا تحتملُ، وما لا طاقةَ لها به.

والقرآن - الذي هو كلامُ الله سبحانه وتعالى، والذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الخالدة على وجه الدهر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها- هو من جنس كلام العرب في ألفاظه وتراكيبه ومعانيها، فلا نفهمه ولا نعقله إلاّ على ما كانت العرب تفهمه وتعقله. لهذا تجد المفسرين إذا ما حملوا آيةً ما على معنىً من المعاني، أو على وجهٍ من وجوهِ التأويل، جاؤوا من كلامِ العرب الأولين وأشعارهم بما يؤيد ما ذهبوا إليه، وتجدهم قد تكلموا فيما يحتج به وما لا يحتج من كلام العرب، وما يسمى بعصر الاحتجاج، كل هذا لأجل أن يفهموا القرآن على معهود العرب الأولين أهل اللسان الذي نزل به القرآن.

وفي هذا جواب من يقول بإمكان حمل الآية على المعنى الحديد، فالحق أن اللغة لا تقبل هذا المعنى الجديد من حيث إننا لا ننظر إلى معاني الألفاظ مجردة، وما يمكن أن تحتمله في كل عصر من العصور، بل نقول إن الأصل أن ننظر في معاني الكلام عند أهل ذلك العصر الذين نزل القرآن بلسانهم، لا في كل عصر.

وعلى هذا نقول: لمّا كانت أذهانَ العربِ الأوَّلين الذين نزلَ القرآن بلسانهم لا تنصرفُ إلى هذا المعنى الجديد للتصعد في السماء، عند النطقِ باللفظِ، ولمّا كان هذا اللازمُ غيرَ معهودٍ للعربِ الأوّلين الذين نزلَ القرآنُ بلسانهم فإن هذا كافٍ في ردِّ هذا الوجهِ المُدَّعى في تفسيرِ الآيةِ من حيث اللغة، إذ لا يجوزُ لنا أن نُفسِّرَه بغير ما كانت تعهده العربُ، ولا يجوز أن نذهب في تأويله على معهودِنا في الألفاظِ ولوازمِها، التي جدَّتْ وتغيرت في عصرنا هذا.

إذن ...

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015