ولذلك فإنَّ إبطالَ دعوى القائلين بإمكان حمل الآية على المعنى الجديد الذي كشف عنه العلم الحديث يكفي فيه أن ننظرَ إلى واقع اللغة من حيثُ هي لغةٌ، أي من حيثُ هي ألفاظٌ دالَّةٌ على معانٍ، وأنّ هذه الألفاظَ والأصواتَ حتى تكونَ لغةً شائعةً بين الناس لا بدَّ فيها من المواضعةِ والمصالحةِ، أي لا بدَّ من اشتراكِ الناسِ في معرفةِ هذه الألفاظِ ومعانيها والمقصودِ بها واتفاقِهم على ذلك، وأنَّ مخاطبتَك لشخصٍ ما - إذا لم تكن على معهودِ الكلامِ، وعرفِ اللغةِ، من حيث الألفاظُ والتراكيبُ ودلالاتُها على المعاني- لا تعدو أن تكون ضرباً من ضروبِ الهذيانِ.
وعليه نقول: إنَّ اللهَ لو خاطبَ العربَ الأقحاحَ بمفرداتِهم وتراكيبِهم، ثم لم يفهموا المرادَ من هذه الجملِ والتراكيبِ في ذلك الوقتِ، لكانَ هذا ضرباً من ضروبِ الهذيانِ الذي يُنَزَّهُ عنه منصبُ الشارع.
ونقولُ أيضاً: إنَّه لا يجوزُ أن تكونَ دلالاتُ آياتِ القرآنِ ومفرداتِه مُتَجَدِّدَةً مُتَطَوِّرَةً على مَرِّ العصورِ، يفهمُها أهلُ كلِّ عصرٍ بحسبِ ما يشيعُ في عصرِهم من معاني المُفرداتِ، وما وصل إليه من علومٍ كونيَّةٍ أو طبيعيَّةٍ، أو عَثَرَ عليه خيالُه من إشاراتٍ بعيدةٍ، لأنَّ العبرةَ إنما هي بالألفاظِ ومعانيها عند العربِ الأولين أهلِ اللسانِ، كيف كانت العربُ تعقِلُها وتفهمُها وقتَ نزولِ القرآنِ، وليس في كلِّ عصرٍ.
لا نعني بهذا أنَّه لا يجوزُ استعمالُ كلمةٍ عربيةٍ في معنىً غيرِ الذي وُضِعت له ابتداءً، بل يجوزُ وضعُها أو استعمالُها بإزاءِ معنىً غيرِ المعنى الذي وَضَعها له العربُ الأوَّلون أهلُ اللغةِ، لعلاقةٍ بين المعنى الأصيلِ والمعنى الجديدِ، على ضربٍ من التجوُّزِ والاستعارةِ المعهودةِ في كلامِ العربِ، كأن نضعَ مثلاً كلمةَ "ذَرَّة" للدلالةِ على مقصودِ التجريبيين المقابلِ لكلمةِ " atom" الإنجليزيةِ، مع أنها بأصلِ الوضعِ تدلُّ على صغارِ النَّملِ، ولفظَ "طائرةٍ أو طيّارةٍ" في الدلالةِ على معنى الطائرةِ المعروفِ، لأنَّها تشتركُ مع الطيورِ الحيوانيةِ في أصلِ الطيرانِ، أو كلمةَ "سيّارةٍ" للدلالةِ على معنى السيّارةِ المعروفِ، لأنَّها تسيرُ على الأرضِ وتشتركُ مع الدوابِّ الأرضيّةِ في أصلِ السَّيرِ، وإنَّه وإن كانت صفةُ الطيرانِ والمشيِ موجودةً في أكثرَ من فردٍ أو ماهيّةٍ كالطيرانِ في سائرِ الطيور، وصِفَةِ السَّيرِ عندَ الدَّوابِّ كافَّةً، إلاّ أنَّ الناسَ في - عرفِها- قد تُخَصِّصُ أحدَ هذه الأفرادِ أو الماهيّاتِ بتلك الصفةِ - دون غيرِها ممن يتَّصِفون بها وتَتَحَقَّقُ فيهم- لغلبتِها عليه، أو لكثرةِ استعمالِها في كلامِهم خاصّةً بذلك الفردِ دون غيرِه، أو تلك الماهيَّةِ دون غيرِها، فيشيعُ عندهم تسميةُ هذا الفردِ أو ذاك بهذه الصِّفةِ، حتى تكونَ أغلبَ وأدلَّ عليه من اسمِه الأصيلِ، كتسميةِ "المسكِ" عند العربِ بـ"المشمومِ"، مع أنَّ الأشياءَ المشمومةَ لا تُعَدُّ ولا تحصى، ولكن لمّا غَلَبَ استعمالُ كلمةِ "المشمومِ" عند العربِ في "المسكِ"، كانت أخصَّ به من غيرِه من المشموماتِ. ومن ذلك أنَّ لفظَ "السخّانِ" أو "البرّادِ" صارَ أولى بالحوافظِ الحراريَّةِ المعروفةِ باسمِ "الثيرموس" من النارِ أو الثلاّجة، مع أنَّ هذه الحوافظَ الحراريةَ لا فعلَ لها في أصلِ التسخينِ أو التبريدِ، إلاّ في الحفاظِ على برودةِ السائلِ أو سخونتِه داخلَها! فإذا بالناسِ تُسمّيها بغيرِ صفتِها التي هي عليها!!! وهذا أمرٌ جائزٌ لا مشاحّةَ فيه، وقد يُنقلُ اللفظُ إلى معنىً آخرَ جديدٍ لغيرِ علاقةٍ، أي يُرتجلُ ارتجالاً في المعنى الجديدِ، وما دام الناسُ قد اصطلحوا وتواضعوا على تسميتِها بهذا الاسمِ - أيّاً كانت صفتُها- فلا مكانَ للاعتراضِ، وهو عرفٌ بين الناس قد فشا وغلبَ في كلامِهم، فلا يُنازَعون فيه.
¥