وقال الإمامُ الشوكانيُّ في تفسيرِها:

قولُه ?كأنما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ?: قرأ ابن كثيرٍ بالتخفيفِ من الصعودِ، شبَّهَ الكافرَ في ثقلِ الإيمانِ عليه بمن يتكلَّفُ ما لا يطيقه كصعود السماءِ. وقرأ النخعيُّ "يصّاعدُ" وأصلُه "يتصاعدُ". وقرأ الباقون "يَصَّعَّدُ" بالتشديدِ، وأصلُه "يَتَصَعَّدُ"، ومعناه: يتكلَّفُ ما لا يُطيقُ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، كما يتكلَّفُ من يريدُ الصعودَ إلى السماءِ. وقيلَ: المعنى على جميعِ القراءاتِ: كادَ قلبُه يصعدُ إلى السماءِ نبوّاً على الإسلامِ (3) ...

وقال الإمامُ الرّازيُّ:

أمّا قولُه تعالى: ?كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ?لسَّمَاءِ? ففيه بحثان:

البحثُ الأوَّلُ: قرأ ابنُ كثيرٍ ?يَصْعَدُ? ساكنةَ الصادِ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ ?يصّاعَدُ? بالألفِ وتشديدِ الصادِ، بمعنى يتصاعدُ، والباقون ?يَصَّعَّدُ? بتشديدِ الصادِ والعينِ بغيرِ ألفٍ، أمّا قراءةُ ابنِ كثيرٍ ?يَصْعَدُ? فهي من الصُّعودِ، والمعنى: أنَّه في نفورِه عن الإسلامِ وثقلِه عليه بمنزلةِ من تكلَّفَ الصعودَ إلى السماءِ، فكما أنَّ ذلك التكليفَ ثقيلٌ على القلبِ، فكذلك الإيمانُ ثقيلٌ على قلبِ الكافرِ، وأمّا قراءةُ أبي بكرٍ ?يصّاعد? فهو مثلُ يتصاعدُ. وأمّا قراءةُ الباقين ?يَصْعَدُ? فهي بمعنى يَتَصَعَّدُ، فأدغمت التاءُ في الصادِ، ومعنى "يَتَصَعَّدُ": يتكلَّفُ ما يثقلُ عليه.

البحث الثاني: في كيفيَّةِ هذا التشبيهِ وجهان:

الأول: كما أنَّ الإنسانَ إذا كُلِّفَ الصعودَ إلى السماءِ ثَقُلَ ذلك التكليفُ عليه، وعظُمَ وصعُبَ عليه، وقويت نفرتُه عنه، فكذلك الكافرُ يثقلُ عليه الإيمانُ، وتعظم نفرتُه عنه.

والثاني: أن يكونَ التقديرُ أنَّ قلبَه ينبو عن الإسلامِ ويتباعدُ عن قبولِ الإيمانِ، فشبَّه ذلك البعدَ ببعدِ من يصعدُ من الأرضِ إلى السماءِ .... انتهى (4).

ومن هذا البابِ أن تقولَ: هذا أمرٌ أهونُ منه نقلُ الجبالِ وتحريكُها، في الدلالةِ على صعوبتِه واستحالتِه، وأنَّه تكليفٌ بما لا يُطاقُ، كما قالَ الشاعرُ:

نقلُ الجبالِ الرَّواسي عن أماكِنِها ... أخفُّ من نقلِ قلبٍ حين ينصرفُ

وأشارَ إمامُ البلاغةِ وعَلَمُها القاضي عبدُ القاهرِ الجرجانيُّ في كتابِه "دلائلُ الإعجازِ" إلى هذه المعاني وأنها من بابِ التكليفِ بما لا يطاقُ، فقالَ في موضعٍ من كتابِه:

(كقولهم أتصعدُ إلى السّماءِ؟ أتستطيعُ أن تنقلَ الجبالَ؟ أإلى ردِّ ما مضى سبيل؟) (5) في الدلالةِ على استحالةِ الأمرِ وصعوبتِه وأنَّه ليس في وُسعِ بشرٍ ولا مقدورِه ...

ونظيرُ هذا في لهجتِنا المحكيَّةِ أن تقولَ للرجلِ يطلبُ أمراً صعباً ليس في الوسعِ تحقيقُه، أو يتعنَّتُ في رأيِه فلا يرجعُ عنه "روح بلِّطِ البحر"، لِما في تبليطِ البحرِ من تكليفٍ بما لا يُطاقُ، أو لأنَّ الأمرَ الذي تطلبُه أهونُ منه تبليطُ البحرِ. فهل لنا أن نذهبَ فنجريَ دراسةً علميَّةً لأرضيَّةِ البحرِ، وإثباتِ أنها لا تصلحُ للبلاطِ، أو أنَّ تبليطَها أو تجهيزَها لتكونَ صالحةً لِلتبليطِ أمرٌ شاقٌّ مُكْلِفٌ من ناحيةٍ علميَّةٍ، أو أنَّ تبليطَ البحارِ يحتاجُ إلى كَمٍّ هائلٍ من البلاطِ ليس في حدودِ القُوى البشريَّةِ؟!

ومن ذلك أيضاً ما نقولُه – في لهجتِنا المحكيَّةِ- "هذا يريدُ إقامةَ الدِّين في مالطا"، أو "بدّو يقيم الدين في مالطا"، للرَّجلِ يتكلَّفُ ما لا يُطيقُ، أو يدَّعي القدرةَ على المستحيلِ، وكأنَّ إقامةَ الدينِ في مالطا شيءٌ عسيرُ المنالِ، أو كالمستحيلِ، ودعواك أنَّك تريدُ أن تفعلَ كذا وكذا أمرٌ أهونُ منه إقامةُ الدينِ في مالطا، والتي هي مطلبٌ عسيرٌ لا يمكن حصولُه. فترانا نضربُ الأمثالَ في الدلالةِ على صعوبةِ الأمرِ بإقامةِ الدينِ في مالطا، مع أنَّ إقامةَ الدينِ في أمريكا أو أوروبّا الآنَ أصعبُ منها في مالطا. ولكنَّه لمّا كان هذا مثلاً معهوداً عندنا في الدلالةِ على طلبِ المستحيلِ، والتكليفِ بما لا يطاقُ، جازَ لنا أن نضربَه مَثَلاً، ولا تجدُ الواحدُ منا يبحثُ في أصلِ هذه المقولةِ، ولا في الواقعِ الفِعليِّ لاستحالةِ إقامةِ الدينِ في مالطا.

فأين هذا من تفسيرِ أربابِ الإعجازِ العلميِّ الذي يَتَضَمَّنُ خروجاً على قواعدِ البلاغةِ والذَّوقِ، وحسنِ الإفهامِ، ومخاطبةَ العربِ بغيرِ ما يعهدون؟!

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015