وعليه فإنَّ هذه الألفاظَ ومعانِيَها معهودةٌ للعَرَبِ ومعروفةٌ لهم، فلا يقالُ إنَّ القرآنَ خاطبَهم بما لا يعرفون، وجاءهم بتشبيهاتٍ لا عهدَ لهم بها.

وهكذا نرى أنَّه في كلِّ الأحوالِ، وفي كلِّ أضربِ التشبيهِ، لا بدَّ أن تكونَ أركانُه معروفةً معهودةً، وأن تََتَحَقَّقَ شروطُه حتى يؤدِّيَ غرضَه عند المُخاطَبِ، ومن المعروفِ عند النُّقّادِ والأدباءِ أنَّ من عيوبِ التشبيهِ خَفاءَ وجهِ الشَّبَهِ وبُعدَه، وتَكَلُّفَ الأذهانِ والعُقولِ في طَلَبِه، ولا يكونُ ذكرُ التشبيهِ للإلغازِ، أو لِتَعمِيَةِ المعنى على السامعِ، وإدخالِ الوهمِ إلى نفسِه إلاّ في الطَّرائفِ والمُمازحاتِ، كقولِك لرجلٍ "أنت كالحمارِ" في الدلالةِ على وفورِ صحَّتِه، وصبرِه ...

قال أبو العباسِ المبرّدُ في هذا المعنى:

(والعربُ تشبِّهُ على أربعةِ أضربٍ: فتشبيهٌ مفرطٌ، وتشبيهٌ مصيبٌ، وتشبيهٌ مقاربٌ، وتشبيهٌ بعيدٌ يحتاجُ إلى التفسيرِ ولا يقومُ بنفسِه، وهو أخشنُ الكلامِ) (5). ثم قال في بيانِ التشبيهِ البعيدِ:

(وأمّا التشبيهُ البعيدُ الذي لا يقومُ بنفسِه، فكقولِه:

بل لو رأتني أختُ جيرانِنا ... إذ أنا في الدّارِ كأني حمار

فإنما أرادَ الصحَّةِ، فهذا بعيد، لأنَّ السامعَ إنما يستدلُّ عليه بغيره. وقال اللهُ عزَّ وجلَّ – وهو من البَيِّنِ الواضحِ- ?مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً? (الجمعة:5) في أنهم قد تعامَوا عنها، وأضربوا عن حدودِها، وأمرِها ونهيِها، حتى صاروا كالحمارِ الذي يحملُ الكتبَ، ولا يعلمُ ما فيها) (6)، فاستخدامُ لفظِ الحمارِ في الدلالةِ على وفورِ الصحَّةِ بعيدٌ قبيحٌ، بخلافِ استخدامِه في الدلالةِ على الغباءِ وبلادةِ الحسِّ.

ونرى – أيضاً- أنَّ التشبيهَ مهما كان مُوغِلاً في الغرابةِ -وسواءٌ أكانَ وجهُ الشبهِ قريباً أم بعيداً بشرطِ ألاّ يمجَه الذَّوقُ- لا يجوزُ بحالٍ ألاّ يكونَ مفهوماً ومعهوداً، أو مُنَزَّلاً منزلِةَ المعهودِ والمعروفِ بين الناسِ، وإلا نُسِبَ الشاعرُ أو الأديبُ إلى العِيِّ والعَجْزِ، وعدمِ الوفاءِ بحقِّ المعنى.

نعودُ لمُدارسةِ الآيةِ على حسبِ ما يدَّعيه أصحابُ التفسيرِ العِلميِّ، فنقولُ بناءً على تفسيرِهم: يقولُ اللهُ في هذه الآيةِ إنَّه إذا أرادَ إضلالَ من كََتَبَ عليه الضَّلالَ يجعلُ صدرَه ضيِّقاً حَرَجاً، وحتى يُقَرِّرَ معنى الضِّيقِ والحَرَجِ عند المُخاطَبِ، ويُقَرِّبَه إلى الأذهانِ، ويمكِّنَه في نفسِه، يُشبِّهُ ضيقَ الصَّدرِ وحرجَه في الكافرِ – على رأيهم - بضيقِ الصَّدرِ الذي يكونُ من رجلٍ يَصَّعَّدُ في السَّماءِ!

فإن سألناهم: ما وجهُ الشَّبَهِ؟

قالوأ: وجهُ الشَّبهِ أنَّ الأكسجينَ يقلُّ في طبقاتِ الجوِّ العليا، فيؤدّي هذا إلى ضيقِ الصَّدرِ وحَرَجِه!!!

فإن قلنا لهم: فهل فهمَ العربُ هذا المعنى آنذاك؟

قالوا: لا ... لأنَّه لم يكن معهوداً لهم ولا معروفاً عندهم ...

فلنا أن نقولَ عندها: فكيف إذن يخبرُهم القرآنُ بحالِ الكافرِ، وما يكونُ منه من ضيقِ صدرِه وحَرَجِه بالإسلامِ، ثم إذا أرادَ أن يُقَرِّرَ هذا المعنى في نفوسِهم، ويُقَرِّبَه إلى أذهانِهم، جاءَهم بتشبيهٍ لا عهدَ لهم به؟؟!!! ومنذ متى كانَ التشبيهُ في القرآنِ للإلغازِ والإبهامِ، أولتعميةِ المعنى على السامعِ، لا لتقريبِ المعنى وتقريرِه في نفسِه؟؟!!

أليس في تفسيرِ الآيةِ على ما يدّعونه من إشارةٍ إلى الحقيقةِ العلميَّةِ خروجٌ على أصولِ البلاغةِ وحسنِ الإفهامِ، من حيث إبهامُ معنى التَّصَعُّدِ في السماءِ على العربِ ومن جاءَ بعدهم، حتى جاء العلمُ الحديثُ فَكَشَفَ عنها! مع أنَّ واقعَ التشبيهِ والغرضَ المقصودَ به إنما هو لِتقريبِ المعنى للسّامعِ، وتثبيتِه وتمكينِه في نفسِه؟

لو كانَ يَصِحُّ هذا في الدَّلالةِ على الحقيقةِ العِلمِيَّةِ، لكانَ الأصلُ قلبَ التشبيهِ في الآيةِ، فيُقالُ (من يصّعَّدُ في السَّماءِ يضيقُ صدرُه كما يضيقُ صدرُ الكافرِ بالإسلامِ)، أو تشبيهُ من يصّعَّد في السَّماءِ – في ضيق صدرِه وحرجِه الذي لم يعهدْه العربُ- بشيءٍ عهدوه وعرفوه، كمن يختنقُ، أو كمن يُغمَرُ رأسُه بالماءِ، فينقطعُ نَفَسُه، ذلك أنَّ حَرَجَ الصَّدرِ عند من يصّعَّدُ في السَّماءِ بسببِ قِلَّةِ الأكسجينِ غيرُ معروفٍ ولا معهودٍ للعَرَبِ الأقدمين، فكان لا بدَّ من تعريفِه، وبيانِ أنَّه مُشابِهٌ في حالِه لحالِ من يختنقُ، فإذا ماجاءَ العلمُ الحديثُ كَشَفَ عن صِحَّةِ هذه الدَّعوى، أو هذا الخَبَرِ الذي وَرَدَ في القرآنِ، أمّا أن يُشَبِّهَ الكافرَ في ضيقِ صدرِه بالإسلامِ بأمرٍ لم يعهَدْه العربُ فلا، وهو أمرٌ يحيلُه المنطقُ وواقعُ اللغةُ، وتأباه البلاغةُ، ويخرجُ الآيةَ عن سياقِها إلى معنىً غثٍّ ركيكٍ لا يُستَساغُ عند أهلِ الذَّوقِ.

يكفي أن نورِدَ هذا الاعتِراضَ لبيانِ زيفِ دعواهم، وبُعدِهم عن الصوابِ في تفسيرِ هذه الآية، التي يدعون أنها قاطعةٌ في الدلالةِ على الحقيقةِ العلميَّةِ!!!

الحواشي:

(1) مقالة في جريدة الأهرامِ للدُّكتور زغلول النجار، منشورة بتاريخ 21 رجب 1422 هـ، 8 أكتوبر 2001 للميلاد، السنة 126، العدد 41944، وانظر الموقع الرسمي للدكتور زغلول النجار على الإنترنت:

http://www.elnaggarzr.com/index.php?...d=92&p=2&cat=6

(2) علم البيان، الدكتور عبد العزيز عتيق ص 61 - 62.

(3) الكشّاف للزمخشري، ج 4، ص 44.

(4) فتح القدير للشوكاني، ج 4، ص 498.

(5) الكامل في اللغة والأدب للمبرد، ج 2 ص 104.

(6) الكامل في اللغة والأدب للمبرد، ج2 ص 107.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015