وقد ظهر لي سبب افتراء الكلبي لهذه الفرية، التي يدّعي فيها أن أبا صالح أقرّ على نفسه بالكذب، مع ما لا يخفى من بُعْد وقوع مثل هذا الإقرار في العادة، مما يشهد على كذب دعوى هذا الإقرار نفسها، وهذا السبب هو أن أبا جناب يحيى بن أبي حيّة، قال: «حلف أبو صالح: أني لم أقرأ على الكلبي من التفسير شيئًا». (الجرح والتعديل 7/ 271). فيبدو أن الكلبي لمّا بلغه أن أبا صالح كذّبه، واجه التكذيب بالتكذيب!!
وعلى عدم اعتماد تكذيب الكلبي لأبي صالح عامة النقّاد؛ لأنّ من ضعّف أبا صالح منهم، لم يصل الأمر بغالبهم درجة اتّهامه بالكذب، بل ظاهر عبارات غالبهم أنه خفيف الضعف؛ وهذا ردٌّ لقول الكلبي، وهو حريٌّ بكل ردّ.
ومع ذلك: فقد استصحب شؤمُ كَذِب الكلبي بتلك النسخة أبا صالح في غير سياقه الصحيح، في كثير من الأحيان.
وهذا ابن القطان الفاسي في بيان الوهم والإيهام (5/ 563 - 564)، يردّ على قول عبدالحق الإشبيلي عن أبي صالح: «ضعيف جدًّا»، بردٍّ يقول فيه: «وضعفُ الكلبي لا ينبغي أن يُعْدِي أبا صالح، وليس ينبغي أن يُمَسَّ أبو صالح بكذبة الكلبي عليه، حيث حكى عنه أنه قال له: كل ما حدثتك عن ابن عباس كذب، وفي رواية: فلا تحدث به. فهذا من كذب الكلبي، وهو عندهم كذاب».
ولكن يبدو أنّ كذب الكلبي قد أخرج عبارات في أبي صالح تُوهِمُ أنه في حالته من الكذب أو قريبًا منها!
فانظر قول الدارمي في ردّه على المريسي (54): «قد أجمع أهل العلم بالأثر أن لا يحتجوا بالكلبي، في أدنى حلال أو حرام، فكيف في تفسير توحيد الله وتفسير كلامه!! وكذلك أبو صالح». فلا أدري: هل جُرّ أبو صالح بالمجاورة (كما يقول أهل النحو)؟! أم قصد أنه لا يُعتمد على نسخة الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس؟! أم قصد استضعافَ تفسير أبي صالح الموقوف عليه لا روايته عن ابن عباس؟!!
فمن نظر في أقوال أئمة الجرح والتعديل، والتي سيأتي ذكرها، يعلم أن أبا صالح لا يصح اتّهامُه وتركُه، وأن أقصى ما يمكن أن يصل إليه من الضعف، هو الضعف الذي سببه قلّة الحفظ وضعف الضبط، وهو سببٌ لا يُنزله إلى مراتب الضعف الشديد أبدًا، ما دام معلومَ العدالة.
ومن ثَمَّ: يستحقُّ كل قول يدلّ على ترك أبي صالح التركَ المعني به ترك الرواية، والدالَّ على شدّة الضعف = أن يكون قولاً مردودًا، لا يؤثر في أبي صالح؛ لأنه يشهد على عدم صحّة تصوّر قائله لحقيقة حال أبي صالح. ومن لم يصحّ تصوّره لا يصح حُكْمُه، ولا يصحّ اعتماد حكمه من بعده.
فانظر قول البيهقي في الأسماء والصفات (2/ 312): «وأبو صالح هذا، والكلبي، ومحمد بن مروان: كلّهم متروك عند أهل العلم بالحديث، لا يحتجّون بشيء من رواياتهم؛ لكثرة المناكير فيها، وظهور الكذب منهم في رواياتهم».
هذا القول مثالٌ صحيح لشؤم رواية الكلبي عن أبي صالح في التفسير، ومثال على عدم صحّة التصوّر لحال أبي صالح!
ونحوٌ منه قول ابن عدي: «وباذام عامّةُ ما يرويه تفاسير، وما أقلّ ما له من المسند. وهو يروي عن: علي، وابن عباس. وروى عنه: ابن أبي خالد تفسيرًا كثيرًا، قدرَ جزء. وفي ذلك التفسير ما لا يتابعه عليه أحد، ولا أعلم أحدًا من المتقدّمين رضيه». (الكامل 2/ 71، ووقع فيه تصحيفات، وتصويبها من مختصر الكامل للمقريزي 201 رقم 300).
قلت: إن قصد ابن عدي بما لا يتابع عليه من التفسير رواية الكلبي، فهذا ما لا يصح أن تُلْحَق نكارته بأبي صالح. وإن قصد ما سوى ذلك، فما أورد له ابن عدي شيئًا يقتضي تضعيف تفسيره.
فقد أخرج ابن عدي (2/ 70) في ترجمة أبي صالح خبرين عنه متعلّقين بالتفسير، والأصل أنه أخرجهما لبيان مثالٍ لما يُستنكر عليه من التفسير.
أمّا الأول: فهو أن أبا صالح قال في قوله تعالى: {ويأتوكم من فورهم} [آل عمران:125]: «من غضبهم».
وهذا تفسير لم ينفرد به أبو صالح، بل هو قول مجاهد، وقولٌ لعكرمة مولى ابن عباس، وللضحاك، وله وجه في اللغة صحيح. (تفسير الطبري 6/ 30 - 32).
وأمّا الثاني: فرواية أبي صالح عن أمّ هانئ، قالت: «فيّ نزلت هذه الآية {وبنات عملك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب:50]، فقالت: أراد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجني، فنُهي عنّي؛ لأني لم أُهاجر».
¥