وكلام الذهبي محل تأمل؛ لأن ابن الصلاح مؤيد بمن سبق، وبذلك أجاب ابن حجر، وذكر أن سماع ابن المُذْهِب منه كان قبل اختلاطه.
والذي يترجح أنه: ثقة مسند مكثر زاهد تغير بأخرة.
هذا ما يتعلق بحاله، أما عن مروياته فالذي يظهر أنه لم يكن من الأئمة النقاد الذين يعنون بالانتقاء، ويعرفون أحوال الرواة، ولعله ممن يرى براءة الذمة بمجرد الإسناد، وقد اشتهر ذلك أيضاً عن فريق من متقدمي أهل الحديث؛ لأنهم يرون أن من أسند أحال إلى مَلِئِ، قال الحافظ ابن حجر: "أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلمَّ جرَّا إذا ساقوا الحديث بإسناده، اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته "، ويقول الذهبي عنه: "لم يكن القَطِيعي من فرسان الحديث، ولا مجوداً بل أدى ما تحمله إن سَلِم من أوهام في بعض الأسانيد والمتون ".
سادساً: آثاره ومؤلفاته:
يُعتبر القَطِيعي من مكثري الرواية ولا سيما عن عبد الله بن الإمام أحمد – كما تقدم-، وقد سمع من عبد الله بن الإمام أحمد: المسند، وذكر ابن نقطة أنه فاته على عبد الله بن أحمد خمسة أوراق من مسند عبد الله بن مسعود، فرواها عنه بالإجازة، وهي من أوله.
وسمع منه أيضاً: الزهد، والفضائل، والتأريخ، والمسائل وغير ذلك، قاله الخطيب البغدادي.
ومن مروياته أيضاً كتاب: "النهي عن اللقب " لشيخه أبي إسحاق: إبراهيم الحربي،وحديث أبي عاصم: الضحاك بن مَخْلد النبيل لأبي مسلم: إبراهيم بن عبد الله الكَجِّي.
وأما مؤلفاته فمنها:
أ - الفوائد المنتقاة والأفراد والغرائب الحسان، وتسمى أيضاً القطيعات الخمسة، وخامسها هو جزء الألف دينار.
ب - أمالي ذكرها الحافظ ابن حجر، والكتاني.
سابعاً: وفاته:
توفي القَطِيعي في ذي الحجة سنة 368هـ ببغداد، ودفن في مقابر باب حرب قريباً من قبر الإمام أحمد، رحمة الله عليهما.
----------------
المبحث الخامس: التعريف بزيادات القَطِيعي.
اُختلف في وجود زيادات للقَطِيعي على مسند الإمام أحمد برواية ابنه عبد الله، فأثبتها الساعاتي حيث يقول: "أحاديث المسند تنقسم إلى ستة أقسام .... وقسم رواه الحافظ أبو بكر القَطِيعي، عن غير عبد الله وأبيه –رحمهم الله تعالى-، وهو أقل الجميع ".
وذكر عبد الحي اللكنوي أنها زيادات كثيرة، ونسبه إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: "قال ابن تيمية في منهاج السنة: ... ثم زاد ابنه عبد الله على مسند أحمد زيادات، وزاد أبو بكر القَطِيعي زيادات، وفي زيادات القَطِيعي أحاديث كثيرة موضوعة "، وصنيع عبد الحي اللكنوي محل تأمل؛ لأن كلام شيخ الإسلام في وصف زوائد القَطِيعي على فضائل الصحابة للإمام أحمد برواية ابنه عبد الله، وتقدم بيانه.
وقد تعقب العلامة الألباني من يرى كثرتها، إلا أنه نفى وجودها مطلقاً فقال: "ليس له زيادات في المسند خلافاً لما اشتهر "،
ونفيه لها مطلقاً محل تأمل،
ولعله ظنها من زيادات عبد الله بن الإمام أحمد، ولا سيما أن الموجود منها في المطبوع من مسند الإمام أحمد موضع واحد، قد يخفى على المستقرئ للمسند.
والحاصل أن للقَطِيعي زيادات على المسند بيدَ أنها قليلة جداً، ولهذا يقول الحافظ ابن حجر: "فيه شيء يسير من زيادات أبي بكر القَطِيعي الراوي عن عبد الله "، وبيّنها في عدة مواضع من كتابه: "إطراف المُسْنِد المُعتلي بأطراف المسند الحنبلي "، وكتابه: "إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة "، وقد وقفت على أربعة أحاديث منها، رواها عن شيوخه المعروف بالرواية عنهم.
وقد حصل وهم للعلامة الهيثمي فعزى أحدها إلى الإمام أحمد في مسنده، وسبب هذا الوهم عناية الهيثمي في كتابه: "مجمع الزوائد " بمتن الحديث وصحابيه، ولهذا ذهل في هذا الموضع عن طرف إسناده الأدنى، ومن ذا يسلم.
ويتبين من خلال دراسة هذه الزيادات أن إسناد الحديث الأول واه، فشيخ القَطِيعي فيه رموه بالكذب.
وكذا إسناد الحديث الثاني حيث إن فيه راوياً رموه بالكذب، مع أن في إسناده اضطراب، والحديث الثالث صحيح، وأما الرابع فالذي يظهر أن القَطِيعي أخطأ في متنه فقلب المعنى.
¥