وعلم الحديث بحوره زاخرة وكنوزه وافرة، لا يقدر على خوض ميادينه إلا فحول الرّجال، فبه يكشف النّقاب عن مجملات الكتاب، وتستقيم الأحكام ويتبيّن الحلال والحرام، فلولاه لقال في الدّين من شاء ما شاء. فالحمد لله.
ومن المعلوم أنّه متشعّب الأصول غزير الفصول، له عدّة أبواب لا يملك مفاتيحها إلّا فطاحلة أهل العلم من أولي الألباب، فمن شاء فليرجع إلى دواوينه لينهل من مصافي ينابيعه، وأنا هنا أريد أن أذكر نقطة من بحره لعلّي أنال شرف نشره، بطريقة سهلة مبسطة نقلتها من كتب أهل العلم ليس لي فيها ناقة ولا جمل لو نادى كل واحد بحقه لبقي الموضوع خاويا على عروشه.
ولك أخي الكريم هذا الفصل منه، سميته أصول وقواعد في الجرح.
فما أصبت فيه فمن الله وحده وما أخطأت فيه فمن نفسي والشّيطان، نسأل الله الثّبات.
وقبل ذكر هذه الأصول والقواعد أحب أن أضع بين يدي القاري تمهيدا بسيطا عرّفت فيه الجرح وبيّنة مشروعيته. فأقول وبالله الوفيق:
- تعريف الجرح:
الطعن في رواة الحديث بما يسلب عدالتهم، أو ضبطهم. (انظر: المنهج الحديث في علوم الحديث للشيخ السماحي رحمه الله (ص: 82))
وقيل: هو وصف متى التحق بالراوي، والشاهد سقط الاعتبار بقوله، وبطل العمل به.
(جامع الأصول (1: 126).
- مشروعية الجرح:لا يخفى على أهل السّنّة مشروعية هذا العلم النبيل الشريف العظيم، وقد تكلّم في ذلك أهل العلم قديما وحديثا.
قال الإمام النووي –رحمه الله-: " اعلم: أنّ جرح الرّواة جائز، بل واجب بالإتفاق، للضّرورة الدّاعية إليه، لصيانة الشريعة المكرمة، وليس هو من الغيبة المحرّمة، بل من النصيحة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، ولم يزَل فضلاء الأئمة وأخيارهم، وأهل الورع منهم يفعلون ذلك." اهـ (مقمة شرح مسلم ص:92)
ثم شرع يذكر –رحمه الله- أقول السّلف في ذلك فمن شاء فليرجع إليه.
قال في التقريب: " وجُوِّزَ الجرح والتعديل صيانة للشريعة " وزاد الحافظ السيوطي:"وذبا عنها " وشرع في ذكر الأدلّة على ذلك , (تدريب الراوي ص: 2/ 891)
قال الحافظ ابن كثير –رحمه الله-: " وليس الكلام في الرّجال على وجه النّصيحة لله ولرسوله ولكتابه وللمؤمنين بغيبة، بل يثاب متعاطي ذلك إذا قصد به ذلك " اهـ (الباعث الحثيث ص:238)
وبعد ذكر ما سبق أشرع في نقل هذه القواعدة والأصول:
ملاحظة: لم أراع الترتيب في هذه القواعد والأصول.
1 - الجرح مقدّم على التّعديل:
قال النووي –رحمه الله- " وإذا اجتمع فيه – أي الراوي- جرح وتعديل فالجرح مقدّم " (التقريب)
قال السيوطي –رحمه الله- عند شرح كلامه –رحمه الله-: " ولو زاد عدد المعدل، هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء، لأن مع الجارح زيادة علم لم يطلع عليها المعدل، ولأنه مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عنه"اهـ (التقريب 364/ 1)
قال النووي –رحمه الله-: " إذا اجتمع في الراوي جرح مفسّر وتعديل، فالجمهور على أنّ الجرح مقدم، ولو كان عدد الجارح أقول من المعدّل، لأن مع الجارح زيادة علم "اهـ (التقريب: 309/ 1)
قال الحافظ: " أطلق جماعة تقديم الجرح على التعديل ولكن محل ذلك إن صدر مبيناً. من عارف بأسبابه، لأنه إن كان غير مفسّر لم يقدح فيمن ثبتت عدالته، وإن صدر من غير عارف بالأسباب لم يعتبر به أيضاً.
فإن خلا المجروح عن تعديل قُبل الجرح فيه مجملاً غير مبين السبب إن صدر من عارف على المختار؛ لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حيز المجهول وإعمال قول الجرح أولى من إهماله، ومال ابن الصلاح في مثل هذا إلى التوقف"اهـ (شرح النخبة ص:155)
قال العلامة حافظ الحكمي –رحمه الله: " لو تعارض جرح وتعديل قدم الجرح على المختار الذي قاله المحقّقون والجماهير، ولا فرق بين أن يكون عدد المعدّلين أكثر أو أقل
وقيل: إذا كان المعدلون أكثر قُدِّم التعديل، والصحيح الأول لأن الجارح اطلع على أمر خفيّ جهلع المعدِّل." اهـ (120 سؤال وجواب في مصطلح الحديث وعلومه ص:146)
2 - من ثبتت إمامته وعدالته لا يلتفت إلى من جرّحه:
¥